لا نقصد من هذه المقالة، التي نرجو أن تكون واقعيّة، مقاربة سياسيّة لواقع هذه المعارضة، بل على الأرجح " مسّها " من منظور أخلاقي-حضاري-معرفي. لا يختلف اثنان في أن سوريّا تعاني ، منذ حقبة الهيمنة الناصريّة على مقدّرات الشعب السوري باستثناء فترة الانفصال حتى اليوم، من افتقاد مطلق للأعراف السياسيّة بالمعنى العلميالأخلاقي للمصطلح. كذلك، لا يختلف اثنان أيضاً، من أن دور المعارضة أساسي في أي بلد يسعى إلى تطوير ذاته في المجالات كافّة. المعارضة، في نهاية الأمر، هي المرآة التي تكشف للشعب، فرضاً، عيوب السلطة وأخطائها. فكيف يمكن أن نقيّم المعارضة السوريّة إن صحّت التسمية من هذا المنظور؟

دون أدنى شك، لا توجد معارضة، بالمعنى المتعارف عليه عالميّاً للمصطلح، في سوريّا. يوجد معارضون معادون للنظام، لأسباب غير أيديولوجيّة عموماً: يوجد معارضون للنظام لأنهم فشلوا عموماً في أن يكونوا من تركيبة السلطة – مع كل ما تعنيه هذه الكلمة من مغريات لا أول لها ولا آخر. يوجد أشخاص مسكونون بثقافة الغل، والغل كما قلنا لا يبني حضارة.

قبل مدّة، اتصل بي رموز من فصيل معارض، طلبوا مني أن أكون معهم ضدّ أمينهم العام الذي تجاوز كل حدود المنطق في تصرّفاته وارتباطاته: وطبعاً رافق ذلك تلال تهم بحق الرجل لا مثيل لها في شناعتها. اعتذرت من المتصلين بأني أرفض أي شكل للعمل السياسي في سوريّا اليوم. – مع ذلك، ورغم الصدق الواضح في لغة المتصل وصوته، كان لا بدّ أن أسأل: لماذا سمح هؤلاء لأنفسهم بأن يقودهم شخص شبه أمي، نصف محتال، كما قالوا، وهم الجامعيّون البارزون؟ لماذا ولماذا ولماذا؟ ألف علامة استفهام تطارد المرء وهو يتابع أخبار هذه المعارضة، التي أوردنا نتفة منها آنفاً.

كان ثمة حديث مع أحد المتصلين حول إعلان دمشق؛ وإعلان دمشق، رغم رفضنا للإنشائيّات، هام لأنه أول وثيقة تقدّمها المعارضة السوريّة، وتحظى بهذا القدر من الاهتمام في الداخل والخارج. مع ذلك، فموقفنا من هذا الإعلان واضح تماماً: إن ما نرفضه فيه هو الجزء الطائفي اللاحضاري، الذي نرى أنه وضع إرضاء للإخوان المسلمين: لكن ما هكذا تورد إبل السياسة. فلأن السياسة في سوريا مصالح واصطياد فرص أولاً وأخيراً، رمى الأخوان المسلمون بأصدقائهم وحلفائهم من الناصريين والشيوعيين وغيرهم من جماعة الإعلان في بئر الانتهازيّة حين لوّح لهم قطب أكثر لمعاناً – هكذا اعتقدوا خطأ – بمنديله البانياسي الملوث بالدم والفساد. – ماذا حصل؟ خسر الأخوان كثيراً من شعبيتهم في الشارع السوري، وكشفوا أنفسهم لجماعة الإعلان من أنهم صائدو فرص من الدرجة الأولى. رغم كل شيء، فإن بعضاً من أصحاب إعلان دمشق هم من الذين لا تستطيع أية علامة استفهام الاقتراب من التزامهم الأخلاقي والوطني. – مع ذلك، لا يمكن غير أن نسأل: لماذا أدخل هؤلاء أنفسهم بهذه اللعبة؟ كيف يمكن أن يفسّروا للسوري البسيط، الذي عانى من فساد خدّام ( وغيره ) الويلات، وهم يرون حلفاءهم يتحالفون مع خدّام، الذي يعارضون هم منهجاً كان هو أبرز رموزه؟ بالمقابل، وبعد بوادر انتهاء شهر العسل الخدّامي الأخواني، كيف يمكن للأخوان أن يفسّروا لابن الشارع السوري العادي هذا التنقّل اللامنطقي من حضن إلى حضن، إلا بغير قاموس الانتهازيّة السياسيّة، التي تتنافى بالمطلق مع مصطلحاتهم الدينيّة؟

من ناحية أخرى، فقد أرسل إلي صديقي المشاغب اللدود رجلاً قال إنه نائب الأمين العام للحزب الفلاني المعارض، الذي انشق عن أمينه العام ونصب نفسه مكانه مع ثلة من أعضاء الحزب إياه؛ وكان صديقي المشاغب، الذي يعمل في السياسة من باب " السخرية وتمضية الوقت "، قد اختار لهذا الانشقاق البارميسيومي الجديد اسماً وكتب له نظاماً داخليّاً وبرنامج عمل. كان الرجل الضخم، الذي يحمل الشهادة الإعدادية ويقدّم في محطة رفعت الأسد على أنه الدكتور، يعمل بكدّ من أجل أهداف ثلاثة: دمغ الفرّوج الذي أشرت إليه في مقالة سابقة؛ إقامة علاقات مباشرة مع كل الأفرع الأمنيّة؛ والشهرة. وكانت النتيجة أن قلت لصديقي المشاغب، إنه في حالة أرسل إلى منزلي أياً من هذه الكائنات، فإني أجد نفسي مضطراً لإخبار الشرطة.

جماعات حقوق الإنسان والمجتمع " المدني " قصتهم قصّة. انشقاقات بارميسيوميّة يوميّة؛ اتهامات بالجملة بالفساد والعمالة للأمن والشللية: السؤال الذي يطرح نفسه بقوة على المعارضة كانت العمالة للخارج سابقاً أحد أشكال الخيانة للوطن؛ لماذا صارت اليوم مدعاة فخر واعتزاز؟ لماذا إذن تصرون على الاحتفاء بصالح العلي وابراهيم هنانو وسلطان الأطرش...؟ أنا، من جهتي، ما بدلت تبديلاً: فعلى الدوام كنت أرى أن خروج فرنسا من سوريا كان الكارثة الكبرى في الأزمنة السوريّة الحديثة! بل وبصراحة تامة، فأنا لم أترب على تراث المعلّقات والبخاري ومسلم والغزالي: كان أساتذتي منذ الصغر، ألبير كامو وموريس ميرلو بونتي وبروست وكافكا ومان...!! الحدث الوحيد الذي دفعني للقراءة في التراث العربي، وكنت وقتها أعد دراسة عن الفلسفة في أميركا اللاتينيّة، لوم أحد أقاربي لي، الأستاذ نظيم الموصلي في حمص، حين قلت إن خليفة محمد الثاني كان اسمه عمر بن شدّاد!

الأدهى من كل ما سبق المعارضة الخارجيّة. وبحسب التقاليد السوريّة المزعجة، فإن كل سوري يعيش خارجاً و" معه قرشين "، يبدأ بالدعاية لنفسه على أنه حاكم سوريا المقبل، ثم يحل الكيس في مؤتمرات " معارضيّة " في عواصم الغرب، يدعو إليها سوريين فقراء، همهم الأول والأخير ركوب الطائرة والمكوث في فندق خمس نجوم: وهات يا بيانات!!

حين حاولت، في بداية عملي الثقافي، نشر مقالات عن كوليت [ طبعاً ليست كوليت خوري ] وغراهام غرين وإدغار ألن بو وجيمس جويس في مجلة المعرفة السوريّة، رد علي مديرها وقتها، الراحل محمد عمران، بأن هذا أدب بورجوازي ليس من عادتنا نشره. واتهمت وقتها الرجل بالتعصّب والانغلاق. سقى الله أيامك يا محمد عمران! كان زمن الملامح الواضحة والأفكار الواضحة والأخلاق الواضحة!!!