ما إن تدخل إلى حارة اليهود الدمشقية في قلب العاصمة السورية وبعض الأحياء الأخرى التي قطنها اليهود في الماضي حتى تفاجأ بأن اليهود القاطنين فيها هم بعض عشرات فحسب، رغم إحساسك بأنك سترى فيها آلافا نظرا للمعلومات التاريخية عن الثراء الذي كانوا يعيشن فيه والقرى التي كانت تخصهم.

وتعطي لقاءات بضعة يهود متبقين في سوريا انطباعات عن آلاف اليهود الذين كانوا في سوريا وعن طقوسهم وعاداتهم من اللباس الديني إلى الامتناع عن أكل لحم الخنزير وصلواتهم التي تتم بالعبرية فقط، فضلا عن الثراء وسيطرتهم على تجارة الذهب وولائهم للنظام السياسي بعد عام 1970. دخلت "العربية.نت" في تفاصيل المجتمع اليهودي السوري وطقوس هذا المجتمع وعلاقاته على مدار سنوات طويلة بالنظام السياسي.

قرر يهود سوريا ترك البلاد التي عاشوا فيها على مدار سنوات طويلة، وهجروا كنسهم ومحلات تجارة الذهب والبيوت التي تعطي انطباعا عن ثراء أصحابها. كانوا بالآلف وأصبحوا عشرات رغم المميزات التي تمتعوا بها بعد وصول الرئيس حافظ الأسد إلى الحكم عام 1970 قبل أن يلتقي حاخام اليهود السوريين ابراهيم حمرا، وتنتهي حقبة الاضطهاد التي تعرضوا له قبل ذلك. ويشير باحثون سوريون إلى اليهود أقدم طائفة دينية في سوريا، كما أن أقدم كنيس لليهود في العالم يوجد في دمشق فيما خرجت أول كتابة للتوراة من مدنية حلب الواقعة شمال غرب سوريا. أقدم طائفة وأول توراة في سوريا

"هم أقدم طائفة في سوريا وأقدم دين في سوريا وخير مثال قرية اسمها (القريتين) شرق مدينة حمص ب 90 كم هي أصلا يهودية اسمها بالتوارة (حصر عينان) كما جاء في سفر التكوين وفي الموسوعة اليهودية حيث وضعوا مما يعني أن هذه البلدة كانت يهودية"، يقول نبيل فياض الباحث السوري في شوؤن الاقليات.

ويشير نبيل فياض، الذي كتب أبحاثه عن اليهود في سوريا بعد معايشة واقعهم، إلى دلائل أخرى على قدم اليهود في سوريا. ويقول: "منطقة (تادف) التي تقع قرب مدينة حلب خرجت منها أول نسخة من التوراة من قبل (عزرا عاسوفير) حيث تم أول تحرير للتوارة في التاريخ وكانت هناك محاولة لبناء كنيس في المكان الذي كتبت فيه التوارة لليهود السوريين وحضر سفراء أجانب لمشاهدة العمليات الأولية لبناء هذا الكنيس وبسفر أبو موسى جاجاتي ممثل اليهود توقف هذا الأمر".

أول كنيس يهودي في العالم

وكما ظهرت في حلب أول كتابة للتوارة لا يزال أول كنيس يهودي في العالم واضح المعالم في دمشق. وينوه هنا نبيل فياض بأن بلدة جوبر الواقعة شمال شرق دمشق اسمها "غوبار" وفيها أقدم كنيس في العالم وهو كنيس إلياهو النبي الذي تم بناؤه في زمن النبي إيليا كما يرد في (سفر الملوك في التوارة) وإلياهو النبي وقع في مشكلة مع إيزابيل حاكمة فلسطين وهرب من إيزابيل الوثنية إلى دمشق وعمل أول كنيس وهو أقدم كنيس لم يتم تدميره حيث أن بقية الكنس العالم تم عليها تحوير أو تدمير أوبناء شئ جديد إلا أن هذا قائم وهو أقدم معبد ديني في دمشق".

أقام يهود سوريا في حلب ودمشق والقامشلي، ووصل عددهم في نهاية الستينات من القرن المنصرم إلى قرابة 30 ألفا وبعد حرب 1967 اصبح عددهم قرابة 6 آلاف لينخض في التسعينات إلى العشرات. وينتشر اليهود السوريون في الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وفنزويلا وقلة منهم هاجرت إلى اسرائيل، ويصل عددهم في أنحاء العالم إلى قرابة 100 ألف يهودي كما يقول الباحث نبيل فياض.

وكان الدستور السوري عام 1930 يمنح كل طائفة يزيد عدد أفرادها على 6 آلاف شخص، أن يكون لها ممثلا في المجلس النيابي (البرلمان) ومثل اليهود في تلك الفترة مرشحان: قائمة الأحرار، و قائمة الحزب الوطني. ويذكر فضل عفاش في كتابه (مجلس الشعب في سورية: 1928 ـ 1988)، اسم النائب اليهودي يوسف لينادو عن مدينة دمشق في برلمان 1932. ويذكر في المجلس النيابي المنتخب عام 1947، اسم النائب اليهودي عن دمشق وحيد مزراحي، كما يؤكد الباحث سمير عبده في "اليهود السوريون".

اليهود السوريون والنظام السياسي

وقبل حقبة حكم حافظ الأسد كان ممنوعا على اليهود التنقل داخل سوريا دون موافقة رسمية، وأما سفرهم خارج البلاد فكان صعبا جدا، فيما استمرت مشكلة رئيسية لهم وهي الكتابة على خلفية بطاقاتهم الشخصية كلمة "موسوي"، على حد كلام فيّاض.

ويقول "قبل أن يسافروا أغلقوا كل كنسهم في سوريا وفي حارة اليهود بدمشق لوحدها يوجد حوالي 22 كنيسا"، لافتا إلى أن ابراهيم حمرا، حاخام اليهود في سوريا، كان يقود مسيرات تأييد يهودية للرئيس حافظ الأسد، "ولكني لم أشعر أنهم كثيرا صادقين بهذا الشئ وفعلوا ذلك لأنهم كانوا يريدون أن يخرجوا من سوريا"، حسب نبيل فياض.

يذكر أن بعض الكنس الحلبية أحرقت في مدنية حلب عقب إقرار الأمم المتحدة تقسيم فلسطين في العام 1947، وفي العام 1949تم وضع قنبلة في كنيس يهودي في دمشق مما أدى إلى مقتل 20 شخصًا.

أغنى طائفة في سوريا

وأمسك يهود سوريا قبل هجرتهم في التسعينات بسوق الذهب وتجارة الألبسة والموزاييك وبرزوا رغم قلة عددهم كأغنى طائفة في سوريا. ويروي نبيل فياض حكاية مثيرة عن ثراء اليهود السوريين ويقول: "الحاخام ابراهيم حمرا عمل مدرسة أسماها مدرسة ابن ميمون في حارة اليهود وكانت أكثر مدرسة نموذجية في تاريخ سوريا وأتاه مبالغ من الجالية اليهودية في أمريكا إذا وزعت على يهود سوريا سوف يتحولون إلى أثرياء يملكون المليارات طوال حياتهم".

وعن المميزات التي تتمع بها يهود سوريا وانفردوا بها يقول فياض "اليهودي لم يطلب منه أن يقدم خدمة ريف إذا كان طبيبا أو صيدلانيا ولا يخدم جيش ولا يدرس مادة التربية الدينية وكل هذا كان مطلوب من السوريين".

طقوس وعادات اليهود السوريين

"ابنتي لا أزوجها إلا من ابن عرب أي يهودي من بلد عربي" يقول أحد اليهود السوريين للباحث السوري نبيل فياض. ويرجع ذلك- حسب فياض- إلى أن اليهود السوريين يختلفون في عاداتهم وتقاليدهم عن اليهود في الولايات المتحدة فهم لا يزوجون بناتهم ليهود أمريكيين ومحافظون جدا مثل أي مواطن سوري.

ويملك اليهود السوريون المهاجرون إلى الولايات المتحدة بعض الكنس الحلبية والدمشقية في قلب نيويورك كما اسسوا هناك مطاعم شامية وحلبية وحافظوا على طابعهم السوري. وفي التسعينات أقدم الحاخام ابراهيم حمرا على تسفير اللحامين اليهود من سوريا، ولأن اليهود يرفضون أكل لحم لا يقدمه لحامون يهود ضاقت الدنيا بهم واقدم بعضهم على استيراد اللحمة من تركيا وكان هذا سببا مهما في هجرة الكثير من اليهود- كما يؤكد نبيل فياض.

يتحدث نبيل فياض عن 4 طوائف يهودية: الأرثوذكس والمحافظون والاصلاحيون وجماعة إعادة البناء. ويقول إن يهود سوريا من الأرثوذكس ويلبسون لباسا دينيا، ولا يأكلون لحم الخنزير، وصلواتهم تتم فقط بالعبرية .

واختلاط اليهود السوريين بالمجتمع السوري كان قليلا ونادرا ونساؤهم مبعدات عن الدين ولا تدخلن في كنس أو تؤدين الصلوات والصوم ، وكانت أبرز أعيادهم "الشبعوت" و"المساخر" الذي يلبسون فيه ثيابا مضحكة وكذلك عيد "حنوكا" عيد نزول التوراة.

وكان يتزعم الطائفة اليهودية بعد هجرة الحاخام حمرا حاخام آخر اسمه أبو موسى جاجاتي والذي سافر خارج سوريا أيضا.

ولم يبرز بين اليهود السوريين اسم أديب أو شاعر أو صحافي بارز بعكس فترات تاريخية ماضية لعبوا فيه أدوارا بارزة في السياسة والأدب. ويشير باحثون إلى أنه في عهد الدولة الفاطمية تمت تسمية اليهودي مناشيه بن إبراهيم القزّاز حاكماً على سورية، وكان اليهود آنذاك يقيمون في دمشق وحلب وصور وطرابلس وجبيل وبعلبك وبانياس. وبرز اسم أدباء منهم الشاعر اليهودي موسى بن صموئيل الدمشقي الذي رافق أحد الوزراء المملوكيين في رحلة الحجّ إلى مكة، وفي العام 1506 أنشئت أوّل مطبعة عبرية في دمشق، وتعاون يهود دير القمر وحاصبيا مع قوّات الأمير بشير الشهابي في قمع الثورة الشعبية ضدّ عبد الله باشا.

وحين توفي الرئيس حافظ الأسد في العام 2000، قام ثلاثة يهود من أصل سوري هم – الحاخام اليهودي السوري المرموق جاك كاسين، وأحد رؤساء طائفة الحصيديم ["الأتقياء"، أصحاب تيار يهودي يستلهم مذهب القبالة، مفضلاً الصلاةَ على الدراسة النظرية ] جاك أفيتال، ورجل أعمال آخر يدعى سام طمب – بنشر نعي في الـNew York Times معزِّين بوفاته، على الرغم من أن طمب اشتكى لاحقًا لصحيفة The Jewish Week بأن كاسين أضاف اسمه دون أخذ إذنه(الكاتب والصحافي الأمريكي روبرت طوطل) بحسب موقع "معابر" على الانترنت.

ويتحدث روبرت طوطل أيضا أنه في العام 1975، بثَّت مجلةُ ستون دقيقة المتلفزة التابعة لشبكة CBS الأمريكية للأنباء ما قُيِّض له أن يصير أحد أكثر فصولها المبثوثة على الهواء إثارةً للجدل وكان محقِّقها السيد مايكل والاس، الذي سافر إلى سورية، حيث أجيز له تصويرُ مقابلات مع أفراد من الطائفة اليهودية السورية التي كان تعدادها يومذاك 4500 شخص تقريبًا.

وأورد في برنامجه أنه بعد انقضاء 15 سنة على ذلك التاريخ، مُنِحَ اليهودُ السوريون حريةَ الهجرة إلى الخارج، وفي غضون سنوات قليلة، غادر البلادَ أفرادُ الطائفة كلهم تقريبًا – وأقل من نصفهم بقليل إلى إسرائيل. ومن حوالى الثلاثين ألف يهودي الذين كانوا يعيشون في سورية في العام 1947 لم يبقَ اليوم، بحسب زعماء الجالية في الولايات المتحدة، إلا أقل من خمسين، يعيشون – إلا حفنة صغيرة منهم – في دمشق.

ويقول أيضا إنه في العام 1976، قابل الأسد وجهاء الطائفة اليهودية، بمن فيهم إبراهيم حمرا، حاخام دمشق الأكبر، وسليم طوطح، رئيس الطائفة اليهودية السورية آنذاك. القيد الوحيد الذي بقي مفروضًا على اليهود كان تحريم الهجرة الحرة إلى الخارج مع أفراد عائلاتهم، وهو قانون ظل ساريًا حتى العام 1992 حيث سمح لهم بعد ذلك بالسفر.

ويوسف جاجاتي واحد من هؤلاء والذي حل محل حمرا رئيسا للطائفة اليهودية في العام 1994، وهو واحد من اليهود القلائل الذين بقوا في سورية إبان التسعينات من القرن الماضي. وقد قال إنه كثير السفر إلى أوروبا والولايات المتحدة. وقد التقى جاجاتي بالرئيس السوري بشار الأسد بُعيد أدائه القسم رئيسًا للبلاد في العام 2000.