وهكذا يا سادة يا كرام أصبَحَ لبنان­ وبشهادة العَرَب وبالاجماع­ المنتج والمصدِّر الأبرز لإبداعات صرعات الفن الغنائي الطاقش الفاقش بكل ابعاده «البزرميطيَّة», وأهدافه «الخرنكعيَّة»! والمقلع المتفرِّد في تصوير وَبَثّ هذا النوع من «انفلونزا» المواء الخافت والمتوسط, المُتَوَّج من حين لآخر بعواءٍ رومانسي حزين!! والرائد الناشط في مجال الموسيقى الخابطة اللاَّبطة التي تطرش وتنشر وتُعَمِّم وباء التلوث «السمعي» الذي فَتَك بالصغار والكبار, وطَاولَ بضرره وسمومه كل الأعمار, وذلك عبر بعض المحطات التلفزيونية والاذاعية ودكاكين الكاسيت والبسطات والعربات والهواتف الجوّالة, حيث اصبحت الأغاني التافهة كلاماً ولحناً وأداء ميزة وعلامة فارقة من علامات العصر الحديث, التي تبيِّن وتشرح وتُعبِّر عن الانهزام والاحباطات السياسية والتقهقر الاقتصادي والافلاس الاخلاقي والفلتان الاجتماعي والتردِّي الثقافي, وانقطاع «شرش الحياء», وانعدام الحس الجمالي وطغيان قلَّة الذوق, والسيطرة التامَّة والهيمَنة المطلقة لفلسفة «الفوفاش» في كل شيء وبكامل أدواتها وتجلياتها من السماجة والسآلة والسخافة والركاكة والضحالة!!

في العدد الماضي من «الكفاح العربي», كَتَبَ صديقنا الناقد والمحلل الفني الاستاذ عبد الرحمن سلام مقالة نقدية عميقة عن فن «الواوا» الحديث ونجمته الجميلة المغناجة والراقصة الصنَّاجة الست «هيفا» مبيّناً وكاشفاً مهاوي ومخاطر هذا النهج الكاسح الماسح والغاسل ما تبقَّى من الادمغة العربية اللاهثة وراء هذا «الاستعمار» الغنائي الجديد!!

ونحن بدورنا نؤيِّد ونثمِّن كل ما جاء في مقالة الاستاذ عبد الرحمن, وكعادتنا في الذهاب الى منابع الأمور والغوص العميق بحثاً عن الحقيقة والامساك بالمعرفة. فقد وَرَدَ في معجم «الفتاوى» لمؤلفه «إبن آوى», ان كلمة «واوا» تعني «الوجع والألم» وذلك دون تحديد مكانه على الجسد, أو حتى حصره وترسيم حدوده!! وعندما يُقال «الواوا بَحْ» فهذا يدل على أن «الوجع» قد زال. وهنا, نفهم ونعلم­ والعلم عند الله­ أن كلمة «البَحّ» تعني الانتهاء والزوال. و« البَحّ» أيها القارئ العزيز هو ابن عم «الدَّحْ» ونسب «السَحّ»! ومن هنا, من هذه الصيغة اللغوية المدهشة, انطلقت القصيدة العالمية التي عَبَّرت في السبعينيات عن مفهومنا «للقومية» وقتذاك وتقول: السَحّ, اندح, انبُوا, والواد, طالع لأبوه»!! وللانصاف والعدل والموضوعية, فإن أغنية «الواوا بَحْ» الجديدة بعمق كلامها الفلسفي وأبعاده «السيفونيّة» الخرَّارة, قد جاءَتْ بكفاءة عالية, وعن جدارة موصوفة, في مرتبة عيون الشعر­ عين الشعر تُبلى بالعمى­ وتَخَطَّتْ بأشواط عديدة مقطوعة «السَحّ اندح, انبُو» التي حُرِمَتْ ومعها العرب, ولأسباب عنصرية وتدخل سافر من «اسرائيل» والصهيونية العالمية من الحصول على جائزة «نوبل» للآداب!!

أما اليوم, فإن أملنا بالله كبير في نيل الجائزة واستعادة الحق السليب, وذلك عن طريق «ليك الواوا», الأغنية التي حَمَلَت كل الرؤى العربية المعاصرة! فبالاضافة الى مفاهيم «البَحّ والصَحّ والنحّ» فانها ابتكرت بعبقرية خرافية وموهبة خارقة كلمات بليغة هائلة كالكُخّ والشُحّ والنَنِّي! هذا الى جانب: دادي ودَدِّي ونبُو!!

هكذا, وبعد ان حَوَّلوا البلد الى ساحة تُرتكب فيها كافة الموبقات الغنائية الممثَّلة بآخر «الصرعات», من قبل أناس «مصروعين», لنقع جميعاً «صرعى» «الواوا بح» بعد أن كنَّا لسنوات عديدة ضحايا «قرقورك يا بديعة» و«حبيبي بيحب التش» وغير ذلك من التحف الفنيّة الخالدة! وبعد سيل المشادات الكلامية الأخيرة بين اللبنانيين­ رواد الحَرْف والحوار­ التي حَدَثَتْ على هامش وخلال مؤتمر قمة جامعة الدول العربية في الخرطوم, وما رَشَح عن جلسة مجلس الوزراء في بيروت, تأكد للقاصي والداني وفي كل مكان, أن السياسة في لبنان, وربما «التفكير» أيضاً, تنتمي كلها الى ثقافة ومدنية وحضارة «الواوا بَحّ»!!! واذا بقي أولو الألباب والأمر على هذا النهج, وهذا المنوال والحال, فإن البلد, وقريباً جداً سيرقص ويغنِّي مع «أم الهفوف»: شوف الوطن بح!!!