أن تكون الطريق الى دمشق عبر واشنطن، فإنها طويلة جدا، وتبدو المسافة <<المعنوية>> أبعد بكثير . واستنادا الى هذه الحسابات، يمكن القول بأن رئيس الحكومة فؤاد السنيورة قد يصل يوما ما الى العاصمة السورية، لكن ذلك، على الارجح، غير متوافر في المستقبل القريب، إلاّ إذا طرأ جديد ما، يغيّر من رتابة المشهد الماثل؟!.

ويؤكد متابعون ان <<جدار الفصل>>، ما زال يرتفع مداميك جديدة بين البلدين، على عكس كل التسريبات التي تتحدث عن إحراز تقدم في بناء <<جدار الثقة>>، والدليل ان الحملات الاعلامية المسعورة لم تتوقف، ومعها رسائل التحدّي، وآخرها أن تكون الزيارة مشروطة بما تمّ التوافق عليه حول طاولة الحوار في ساحة النجمة، وان تكون النتائج مضمونة سلفا.

وإذا كان الماضي يحمل إرثا كبيرا من الممارسات الخاطئة، فإن المقاربات الحديثة المتداولة حول مواعيد الزيارة لا تخلو من أخطاء ثلاثة، أولها يعود الى الدعوة الرسمية التي نقلها امين عام المجلس الاعلى اللبناني السوري نصري خوري، من وزير الخارجية وليد المعلم الى نظيره اللبناني فوزي صلوخ لزيارة دمشق، عشية قمة الخرطوم، بهدف تنسيق المواقف، وكان الردّ على الدعوة هجوميّا، من جانب الاكثرية، حيث راح البعض يشكك بلبنانية صلوخ، فيما البعض الآخر يصف الدعوة ب<<اللغم>> الذي زرعته دمشق على الطريق لنسف الزيارة التي كان يستعد لها الرئيس السنيورة. كان بوسع الاكثرية استثمار الدعوة بغير التصعيد، كأن يتم التمني على صلوخ تلبيتها نزولا عند متطلبات المصلحة الوطنية العليا، على ان يصطحب معه ملفا يتضمن ما تمّ التوافق بشأنه حول طاولة الحوار، وبالتالي التقاط الكرة ونقلها الى المرمى السوري، وهذا تصرف لم يحصل مع الاسف، والذي حصل كان نقيضه.

أما الخطأ الثاني فيعود الى ما حصل قبيل دخول القادة العرب الى قاعة الاجتماع في الخرطوم إيذانا ببدء القمة، حيث تمّت مصافحة بين رئيس الحكومة، والرئيس بشار الاسد، وحاول الجانب اللبناني توظيفها، وكأن اختراقا قد تحقق، الامر الذي استدعى توضيحا سوريّا مباشرا، وضع الامور في نصابها. وتمثل الثالث في المداخلة التي قدمها السنيورة داخل القمة حول المقاومة، وهي التي اعتبرتها دمشق محاولة لإقحام القادة العرب في العلاقات الثنائية.

استنادا الى ما تقدم، كان بالامكان تجاوز ما حصل، والعمل على إعداد هادئ للزيارة، لكن الحديث عن زيارة وشيكة الى واشنطن، أعاد الامور الى نقطة الصفر، وطرح استفهامات لا تخلو من الارتياب: لماذا الزيارة، وفي هذا التوقيت بالذات؟، وإذا كان الهدف كما هو معلن مؤتمر بيروت 1، فهل يحمل السنيورة معه الورقة الاصلاحية؟، أم أن للزيارة التي تتدثر بعنوان إقتصادي، أبعادا سياسيّة؟. تقضي الموضوعية الاعتراف بالمبادرات التي أطلقها السنيورة تباعا لإعادة ترتيب العلاقات مع دمشق، إلاّ ان النتائج كانت مخيّبة، إما بسبب <<الاختراقات>> المحلية المعّطلة، او بسبب الردود، من وراء الحدود، غير المؤاتية ومساعيه. لكن التعمّد في الاستمرار على هذه النمطيّة، لن يؤدي الى انفراجات وشيكة، خصوصا وإن التحدي لا يكمن فقط في <<التبهير>> المتعمد لزيارة واشنطن، بل أيضا في ما سيتضمنه تقرير تيري رود لارسن الجديد حول القرار 1559، ومدى تعاون، او لا تعاون سوريا على التجاوب مع متطلباته.