تحدث البروفيسور ديفيد ليش في آ ذار 2006، في قسم التاريخ بجامعة ترينيتي، حول كتابه الجديد (أسد دمشق الجديد: بشار الأسد وسوريا الحديثة)، فقال: إن كلاً من دمشق وواشنطن قد افتقدتا الفرص المؤدية للتواؤم والتعاون منذ 11 أيلول 2001. اقترح ليش أن يقوم الرئيس الأسد في العام القادم (2007) باختيار حاسم بين اتباع عملية الانفتاح السياسي والاقتصادي، وبين تعزيز سلطته بشكل أكبر.

طرح ليش منظوراً موحداً حول النظام السوري، فقد كانت له صلة وثيقة غير عادية مع الرئيس بشار، ومع أعضاء عديدين من دائرته الداخلية لعدة سنوات. وقد لاحظ تباعداً واختلافاً بين دمشق وواشنطن، بعد 11 أيلول. افترضت دمشق أن الولايات المتحدة سوف تغض بصرها عن دعمها لمجموعات الرفض الفلسطينية، وتلاعبها بالسياسة اللبنانية وعلاقتها مع إيران، طالما أنها تعاونت في الحرب على الإرهاب. شعر النظام السوري بأن أعمال الولايات المتحدة قد عززت رؤيته في الأشهر التي سبقت حرب 2003 في العراق، والتي اعتقد السوريون خلالها أن الولايات المتحدة قد أرسلت إشارات مختلفة وبشكل متواتر تمتدح فيها تعاون سوريا مع وكالات مخابرات الولايات المتحدة، وتنتقد نظامها السياسي المغلق. وضمن هذه البيئة، أجرى السوريون حساباً خاطئاً حول قدر 11 أيلول الذي توجهه الولايات المتحدة إزاء العالم، ومن ثم اتبعوا استراتيجيتهم التقليدية المتمثلة في التعاون غير المعلن بالحد الأدنى مع الولايات المتحدة، والمصحوب بتأكيدات الاستقلالية المعلنة. وقد وجدت سوريا نفسها بشكل بارز ضمن الرؤى والمنظور الأمريكي نتيجة وعاقبة لذلك.

يرى ليش بأن سوريا والولايات المتحدة يتشاركان بأن عدوهما هو القاعدة، وبإمكانهما أن يستخدما 11 أيلول كفرصة لتعزيز الروابط الثنائية، وبالذات لأن الرئيس بشار الأسد تحدث علناً حول أجندة إصلاح سوريا. وقد وجد ليش أن على الولايات المتحدة أن تنظر إلى اللايقين والتشكك الذي تفجر بعد 11 أيلول كفرصة لإغراء واجتذاب سوريا لتكامل ضمن الاقتصاد العالي، وتبدأ بفتح مجالها السياسي. بدلاً عن ذلك، فقد اختارت الولايات المتحدة عزل سوريا بشكل أكبر، مستخدمة بشكل معلن لغة تهديدية تجاه دمشق قبل وبعد سقوط بغداد. وتشددت واشنطن في خطابها منذ التمديد للولاية الرئاسية للرئيس لحود في آب 2004، وزادت اللهجة الحادة بعد اغتيال رفيق الحريري في شباط 2005، وفترت العلاقات ووصلت إلى أدنى نقطة عندما استدعت الولايات المتحدة سفيرتها من دمشق مباشرة بعد اغتيال الحريري.

يرى ليش بأن عدم معرفة الرئيس بشار المسبقة باغتيال الحريري، يقوم بالكامل على تخمين ليش الذاتي المستند إلى مقابلات مع رفاق الرئيس بشار منذ أيام طفولته. وقد لاحظ أن الرئيس بشار قد استخدم بدهاء وقوة موت الحريري لكسب صراعات السلطة الداخلية وتعزيز وتقوية سلطته، وهو يبدو الآن أكثر سيطرة عما كان عليه في السابق. فقد انهمك بنفسه في التفحص والإشراف على الخدمات الأمنية والعسكرية، وقام أيضاً بتعديل أعضاء مجلس الوزراء. والأهم كما قال ليش، هو ذلك الخطاب العدائي تجاه دمشق من جانب أوروبا. فالولايات المتحدة والأمم المتحدة قد عززا معاً ووطدا موقف بشار في الداخل. هذا، وبالتوازي مع النزاع الدولي الجاري حول الملف النووي الإيراني، فقد افترض ليش بأن زعماء من مثل الرئيس الأسد ومحمد أحمدي نجاد، يكونون قادرين على التلاعب بالخطاب البلاغي المعادي من جانب الولايات المتحدة، لجهة تقوية وتعزيز ركائزهم القومية والوطنية ويظهرون أقوياء وطنياً وإقليمياً. أصبح الوضع الإقليمي غير مستقر في السنة التي أعقبت اغتيال الحريري، فقد صارت سوريا أقوى، كما قال ليش، والولايات المتحدة غرقت بارتباك في العراق وتحول انتباه الأمم المتحدة باتجاه إيران، وتركت سوريا ولبنان جانباً. وفي الأراضي الفلسطينية، أشار ليش إلى أن انتصار حماس سوف يعطي سوريا قوة أكثر فعالية في أي مفاوضات سلام سورية - إسرائيلية مستقبلاً. والأكثر أهمية على أي حال، أن اشتداد قوة النظرية القائلة بأن مجيء الإسلاميين الممكن إلى السلطة في سوريا سوف يؤدي إلى سقوط حزب البعث العلماني بقيادة الرئيس الأسد. وقد دفع هذا المراقبين في إسرائيل وأماكن أخرى كثيرة إلى المطالبة والتحدث ضد تغيير النظام في دمشق. وتبدو سوريا بأنها قد نجت من العاصفة الراهنة، الأمر الذي أعطى النظام ثقة أكبر للإبقاء على مسافة تفصله عن الولايات المتحدة وحلفائها.

بهذا الموقف الذي تعزز حديثاً، يواجه الرئيس بشار الأسد الآن خياراً أساسياً: فإما أن يستمر في تعزيز سلطته، أو أن يقوم بالبدء والشروع في برنامج الانفتاح. وقد استمر ليش متفائلاً بأن الأسد سوف يميل إلى الخيار الثاني. فالرئيس بشار، كما قال ليش، يفهم أن نجاح البلاد في عالم ما بعد الحرب الباردة يُقاس بالنمو الاقتصادي والابتكار التكنولوجي ومعيار ومستوى معيشة السكان أكثر من القوة العسكرية والأيديولوجيا. فالهدف والغاية النهائية لبشار الأسد، كما قال ليش، تتمثل بالحقيقة، في اقتطاع ونحت كوة مخصصة لسوريا من أجل سوريا في عملية العولمة على نفس المنوال الذي كان للهند. وقد أشار ليش إلى أن الرئيس بشار سوف يقوم بهذا الخيار في العام القادم، وهذا الخيار الذي سوف يستخدمه المجتمع الدولي ليقرر ما إذا كانت رغبة الإصلاح المفترضة للرئيس صحيحة.