قبل الحديث عن إمكانية البحث عن التغيير الديمقراطي السلمي، يحق لنا التساؤل عن العوامل الانسانية والسياسية في هذا الأمر، ودور التجربة السياسية للناشط السوري في أدائه وقدرته على ممارسة الديمقراطية في الماضي والحاضر والمستقبل.

الكل يعلم الدور الكبير للأحزاب السياسية السورية التي ولدت في النصف الاول من القرن الماضي، وكيف تم تجاوزها بنظرياتها وأهدافها “الانسانية” و”القومية”، عبر تسرب العسكر اليها ثم السيطرة على السلطة بشكل أصبح شبه دائم.

منذ الستينات في القرن الماضي والى هذا اليوم، مازال معظم هذه الأحزاب السياسية يتصدر واجهة العمل السياسي، بعد القيام ببعض التغييرات “الخطابية” على صعيد الشعارات، بما يتناسب مع المرحلة على مستوى العالم، وبعد انحسار منظومة الاتحاد السوفييتي السابق. وتحويل العمل من شعارات الاشتراكية، والوحدة وحرية الجماهير الى شعارات حقوق الانسان والمواطنة وحرية الفرد والديمقراطية.

ومع تغير الرداء السياسي، نشك في أن السلوك السابق لهذه الأحزاب، أو مجموعة الأحزاب المتشكلة جديداً قد أصابت المشكلة الأساسية التي أدتّ في تاريخ سوريا الى تحوّل الحكم من سلطة مدنية الى حكم بسلطة أمنية وعسكرية. لذا قد يتساءل المرء عن امكانية المعارضة السورية التي تقدم نفسها بشعارات الديمقراطية أنها قادرة عملياً على ممارستها، ليس في زمن تكون فيهه على رأس السلطة، لا بل في منافيها والدول المتقدمة. خاصة تلك التي مارست العيش لأكثر من عقد من الزمن، في بلاد تمارس الديمقراطية، وسيادة القانون، وحرية تحكمها شرعة حقوق الانسان، والتي تعتبر من الأفضل في العالم، وهي كندا.

هل يمكن لما تبقى من الأحزاب السياسية التقليدية في سوريا والخارج أن تمارس الديمقراطية عملياً، من دون أن تقدم نقداً لتجاربها السابقة والسبب الذي أودى بها وبسوريا وشعبها الى حكم ديكتاتوري مازالت آثاره تدمي الشعب السوري على كل الصعد، وهل يمكن لهذه الأحزاب أن تتجاوز قضية الاقصاء، عبر الأنا أو النحن، مقابل هو وهم؟ قد يعتقد البعض أنه من الممكن تجاوز مثل هذه المشاكل على صعيد الممارسة في الوطن، عندما يتم الغاء قانون الطوارئ، وارساء دستور جديد يحكم البلاد وينظم العلاقات بين الأحزاب، على أساس من الحرية والديمقراطية المنشودتين، لكن ألا يحق لنا التساؤل عبر الأمثلة التي نتعايش معها عن قدرة هذه الأحزاب على ممارسة الديمقراطية، أم أنه يجب القبول بما يحدث فيما بيننا في كندا، ولو كانت معايير الأداء لا تخرج عن معايير العشائرية والطائفية والفردية بالاضافة الى رواسب الثقافة “السورية”، في قضايا الارتجال، والأنا، والاصرار على المواقع من دون العودة الى أي حرف من معنى كلمة الديمقراطية أو الحرية أو ما شابه ذلك.

واذا كانت تجربة العمل السياسي المثمنة بالجيدة في كندا، لا تخرج عن الاطار العشائري، أو الطائفي، أو الحزبي، فكيف يمكن لهذه التجربة أن تكون مثالاً وطريقاً للتغير الديمقراطي في الوطن السوري.

وهذا مايدفعنا الى التساؤل، هل قدمت المغتربات، ونحن نعلم بما يحدث في فرنسا، وألمانيا، والقليل في بريطانيا، وأمريكا، نماذج ديمقراطية لدعم الداخل السوري، أم أنه يحق لنا التساؤل وبجد عن ديمقراطية الداخل، والقدرة على ممارستها بشكل أفضل مما يمارس في الخارج. أمام هذه المشاكل الكبيرة، في الاصرار على ترسيخ الرواسب المجتمعية والسياسية للحقبات السابقة لدى الناشطين السوريين في الخارج، ومحاولات الداخل في العمل ضمن ظروف صعبة جدّاً، بشكل قد يكون لدى المراقب، أفضل من ناحية التجربة، عن دور النظام وامكانية دفعه، تحت وابل الضغوط الخارجية، والعمل السياسي السوري، على القيام بالتغيير ارادياً، وهذا ما هو غير قادر القيام به، أو قسراً وهذا ما هو مجهول حتى اليوم لدى الجميع.

ومن هنا يطرح السؤال وبشكل جدّي، هل يمكن القيام بتغيير ديمقراطي سلمي في سوريا؟ ما هي الأسباب التي ستجبر النظام على التخلي عن نظام الحكم وبسهولة؟ وما هي قدرة البديل السوري، على ممارسة الديمقراطية؟ هل يمكن للأحزاب السورية التقليدية، وأقصد بها الأحزاب القومية، الاشتراكية السابقة، والدينية، على التصدي لمسألة الديمقراطية بشكل سلمي؟ وما معنى كلمة الشرف، أو الاتفاق، عندما نرى أمثلة للتغير في المنطقة العربية والشرق أوسطية. كلنا يتذكر كيف قامت الثورة عندما أخرجت الشاه في ايران. وكلنا يرى اليوم ما يحدث في العراق، من ديمقراطية للطوائف، وانحسار القوى السياسية التقليدية، لمصلحة التيارات الدينية، كما تدّل التجربة المصرية، التي غيرت في الدستور وسمحت بانتخابات رئاسية “شكلية”، وانتخابات برلمانية، كان لتدخل رجال الأمن والسلطة الدور الأكبر بها.

واذا كانت مصر التي سبقت سوريا بانفتاحها الاقتصادي والسياسي، بسنوات، أو اذا كانت السلطة الدينية في ايران قد استخدمت الأحزاب العلمانية في فترة حراكها السياسي نحو السلطة، قد اقصت كل الفصائل المختلفة معها ايديولوجيا عن الحكم، بطريقة لا تمت الى الديمقراطية، بصلة. من هنا يحق لنا السؤال: لماذا ستنجح التجربة الديمقراطية سلمياً في سوريا، ونحن نتعايش مع الأمثلة العملية لحاملي شعارات الديمقراطية لدى الناشطين السوريين في بعض بلدان الاغتراب، ونرى عدم قدرتهم من خلال تجمعاتهم السياسية على ممارسة هذه الديمقراطية فيما بينهم. يحق لنا أن نكون متفائلين، لأن البعض يرغب فعلاً بحدوث التغيير الديمقراطي المنشود، ويحق لنا أن نكون متشائمين جداً، بسبب غياب المعايير الأدائية والسلوكية لدى من يتصدر العمل السياسي في عديد من بلاد الاغتراب في مفاهيم الديمقراطية، ومفاهيم الحرية.

وما بين الدوافع الفردية، والحزبية، والعشائرية، وقدرتها على التحكم بالرغبات الجامحة لتطيح بكل الأهداف السامية من اجل الشعب السوري، والعمل بشكل شفاف وحضاري، ابتداء من النقد الذاتي، وعدم اقصاء الآخر، والتحرر من سلوك الارتجال، فإن التغيير الديمقراطي السلمي، لا بد أن يمر بتجارب قاسية، ليس من الممكن تجاوزها، خاصة أن الرغبة والأمل والحلم، قضايا عاطفية وشاعرية، كانت من اهم العوامل في ايصال الوطن السوري الى ما هو عليه، وقد تكون المدخل للوطن السوري نفسه، لدخول متاهات اخرى، لا أحد يعرف الى أين ستوصل الوطن مستقبلاً.

كل هذا لن يمنع من الاصرار على مطالبة الأحزاب السياسية السورية بعدة خطوات اساسية لحمل الوطن في مركب السلام المنتظر وتحقيق الديمقراطية بشكل سلمي، وهي اعادة الهيكلة الفكرية لهذه الأحزاب، وهذا لا يعني تبني شعارات الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان فقط، بل البدء بالنقد الذاتي كخطوات عملية، والتدريب على القبول بالآخر، والشفافية في العلاقة بين هذه الأحزاب على برامج علمية.