كنا في السابق نطلق على المبنى "معبد الحقيقة". عمارة شاهقة بعشرة طوابق على شكل مكعب بين اللون مع ‏لمسات بالكريمة بشارع المزًة في دمشق، نوافذها الضخمة المغطاة بالرمال لم تنظف أبدا، مجموعة من المصاعد ‏بالردهة تستغرق ربع ساعة لكي توصلك إلى الدور العاشر المخيف، يستقبل تمثال الرئيس حافظ الأسد يبدو وكأنه ‏منحوت من الزبد النباتي الأصفر الغامق.‏

هنا، تقابل قساوسة المعبد، مدخنين بلا توقف.. قدرهم يتطلب منهم العمل والتأكد من أن الصحافيين الأجانب ـ ومع ‏الأسف لهم، خادمكم روبرت فيسك أحدهم ـ يفهمون ويستوعبون القيم الإنسانية العربية القومية البعثية الأبوية الحنونة.‏

في أيام سوريا القديمة، كانت هذه المهمة بالغة المشقة لأي كبير أساقفة بالمعبد.‏

السيد إسكندر أحمد إسكندر كان وزيرا للإعلام عندما وصلت لأول مرة إلى دمشق، رجل نحيل بشنب غزير يعمل ‏على تدوير الدفًة. اسم منصبه يوحي بقربه من "الرجل العظيم"، كان يبسط سلطته من مكتب بابه موصد بأقفال ثقيلة ‏لزوم الأمن، في مبنى يحتوي أيضا على وكالة الأنباء السورية، برقيات الوكالة ـ الغير قابلة للهضم ـ كانت تنشر ‏تكرارا في كل يوم بصحيفة "سيريا تايمز" وهي جريدة صغيرة الحجم لا تنفك عن التبليغ بانتهاء تنفيذ الخطة الخمسية ‏الصناعية ونشر برقيات العمال الزراعيين الغارقين في البهجة والفرح والسرور وهم يهنؤون الرئيس بمناسبة ذكرى ‏ثورته "التصحيحية"‏

إسكندر، والذي كانت مهمته بسنة 1982 كانت بالتحديد تعنيفي وتوبيخي على تجرئي بالدخول لمدينة (حماه) حيث ‏كانت جحافل رفعت الأسد، شقيق الرجل العظيم والمستمتع الآن بتقاعده الإجباري في الاتحاد الأوروبي (وكر ‏مجرمي الحرب المفضل) ـ تذبح بلا هوادة الآلاف من الإسلاميين العصاة... كانت المذابح تجري بدون حتى كلمة ‏احتجاج من نفس الأمريكيين الذين الآن بدورهم يحاولون تصفية عدد مساوي من العصاة ،ولكن هذه المرة في العراق.‏

إذاعة دمشق، إحدى بهائم إسكندر الأليفة، كانت قد وصمتني بكوني "كاذب" لأنني نجحت في اختراق مدينة حماه ‏المحترقة ودخلتها مقابل سماحي لأثنين من ضباط رفعت الأسد بالركوب معي في السيارة لإيصالهم هناك، لقد وقفت ‏في حماه وأنا أشاهد بأم عيني إحدى دباباته وهي تقصف أقدم مساجد المدينة.‏

ومع ذلك، عندما استقبلني في ربيع 1982 كان يتأمل في الحفاظ على علاقات طيبة مع الصحيفة التي كنت أعمل بها ‏‏(التايمز في حينها).‏

في البداية كان يصر على أنني لم أذهب إلى حماه ـ وذلك كان مجرد كلام فارغ أقنعته بعكسه سريعا ـ ثم قال أنه ‏لايعلم شيئا عن تعليق إذاعة دمشق بخصوصي (أي أنني كذاب)، أنا متأكد تماما بأن إسكندر صادق على إذاعة النبأ ‏التعليق.‏

ولكنه على كل حال تبسم منشرحا وقدم لي سيجارا وهو يقول ".. الأصدقاء الحقيقيون فقط، يستطيعون النقاش في ‏مثل هذه أمور"‏

سنوات مرت بعد الحادثة، إسكندر اضطر لإجراء عملية قطع فيها جزء من دماغه في لندن، وعندما زرته سألته كيف ‏يشعر بعد الصحو من البنج؟ ‏ أجابني "... البعثيون أناس قساة "‏

كان هنالك أيضا أياما عصيبة للسيد "زهير"... ـ مدير ـ إدارة الصحافة الأجنبية، أتذكر مساعدته الكريمة والصادقة ‏في تدبير منح تأشيرات الدخول للصحافيين الغير ودودين والغير معترفين بالجميل ـ والذي كان أعوانه يتعقبونهم ‏على كل حال ـ كوفئ الرجل لاحقا بتعيينه ملحقا صحفيا بالسفارة السورية في لندن، ولكنه اضطر لترك منصبه عندما ‏اكتشف البريطانيون أنه كان متورطا في عملية إخفاء العقل المدبر للعملية لمحاولة تفجير طائرة العال الإسرائيلية، ‏الذي قاموا بذلك كانوا من الدبلوماسيين السوريين ولم يكن زهير من ضمنهم.‏

عندما عاد زهير إلى دمشق صادق على منح صحفي أمريكي تأشيرة دخول لسوريا، الصحفي لم يخبره بأنه أيضا ‏يحمل الجنسية الإسرائيلية، وقام بعد ذلك بنشر تحقيقاته في صحيفة بتل أبيب.‏

نقل زهير فورا إلى الطوابق السفلى بمعبد الحقيقة، ولم تتوفر له الحماية إلا من وزير الإعلام الجديد ، محمد سلمان، ‏وهو البعثي الذكي، والذي سقط من قائمة المرضي عنهم عندما قام برفع الستار عن تمثال آخر "للقائد العظيم" خارج ‏معبد الحقيقة.‏

الصباح التالي شاهد العمال وهم يزيلون التمثال إياه.‏

المرة التالية التي رأيت فيها محمد سلمان، والذي كان قيد الإقامة الإجبارية بمنزله، عندما شحن إلى مقر حزب البعث ‏لكي يصوت لصالح قيادة الرئيس بشار الأسد في سنة 2000.‏

كان يشرب القهوة وأعصابه مشدودة، زملائه كانوا خائفون من التلوث ذلك قاموا بالابتعاد عنه لمسافة عشرين قدم ـ ‏كمنطقة حاجزة من الإشعاع الملوث ـ قمت أنا وبصحبة أحد هؤلاء بكسر الطوق واقتربت منه سائلا عن صحته، بدا ‏عليه الارتياح قليلا... وتشجع بعض البعثيين الآخرين واقتربوا منه.‏

كنت أحب أحمد، المترجم والمعاون لخليفة زهير، كان الرجل يدخن بشراهة وهو ما كان ينزعه أحيانا من وضعية ‏الساخر الخشن ذو الميول الأدبية في نظرته للعالم وكان كثير الترديد لبعض أبيات الشاعر الإنجليزي "بليك"، أحمد ‏هذا كان يعاني من قلب ضعيف، ولم يؤل جهدا في شرح "تعاليم البعث" مع إدارة عيناه في جميع الاتجاهات، كان ‏كثيرا ما يقول لي " يجب أن تعدني يا روبرت بأن لن تخبر أحدا عما أقوله لك" عندما ينهي تعليقاته الشارحة أولا، ثم ‏يتبع ذلك بوصف نزيه وحقيقي للحياة تحت حكم حافظ الأسد، في ذات مرة أخذ يحكي كيف سيكون رد فعل زملائه ‏عندما يختفي "القائد العظيم"... قال لي ".. في بلدي تدمر، الناس سوف يخرجون حاملين الأزهار لكي يضعوها ‏على المقابر الجماعية في الرمال، وفي مكاتبنا بمعبد الحقيقة سوف نجلس نحن بالسجائر في أفواهنا وكل واحد منا ‏يراقب الرفاق الآخرين من طرف عينيه ليسجل ردود فعلهم عن وفاة القائد العظيم"‏

وفي ذلك اليوم المرتقب، تصرف قاطنوا معبد الحقيقة تماما على هذه الصورة، ولكن للأسف لم يكن هنالك أية أزهار ‏على المقابر الجماعية في تدمر، ولكن عندما استقرالوضع لبشًار في مكتبه، أخذت نسمة رقيقة تتحرك خلال دهاليز ‏المعبد ولكنه نسمة بعثية معتنى بها جيدا.‏

عندما كنت أمزح معهم بخصوص "القواعد الحديدية السابقة"، كان التربيت على الظهر وكيل المديح لبشًار.‏

ألا ترون؟ في هذا الأسبوع، وزير الإعلام الجديد ـ الطبيب الجراح المثقف باسم محسن بلال ـ أخذ يروي كيف كان ‏يناقش دائما تقاريري عن اللواء غازي كنعان، وزير الداخلية السابق الذي تفجر دماغه في وضع بائس عند ارتفاع ‏حرارة التحقيق في مقتل رفيق الحريري

لقد صدمت عندما علمت أن كلا من عادل وأحمد ماتوا من أزمات قلبية بالسنوات الماضية، إسكندر كان قد مات منذ ‏زمان، محمد سلمان لا يزال "يعيش بالمنزل" أما زهير الذي احتفظ برأسه بفضل تدخل سلمان، فهو ينشر الآن مجلة ‏خاصة بالخيلً

الخيل؟ سألت القوم بالمعبد، نعم أجابوني واسم المجلة "الأصيل" وتوزيعها كبير... " سكان دمشق يا مستر روبرت ‏لا يتكلمون كثيرا عن الأحصنة"‏

بالطبع، استمرت صحيفة سيريا تايمز في الصدور وكبر حجمها ومازالت مملة كالعادة... فيه تكرر... الوزارة تؤكد ‏على الوحدة الوطنية كما يقول العنوان الرئيسي لها في أحد الأيام.‏

وكانت بعض الصحف الأخرى تنقل الاتهامات اللبنانية ضد سوريا بكونها كانت وراء مقتل الحريري، المجلات في ‏فندقي تتحدث عن قمع الأكراد السوريين...‏

نوافذ المعبد لا زالت تحمل الأوساخ المتراكمة ولا زالت المصاعد تستغرق 15 دقيقة لكي تصل إلى الطابق العاشر.‏

هذه هي سوريا الجديدة ولقد تغيرت بعض الأمور في معبد الحقيقة.‏

وهم يصفون هذا المكان ، أذكًر نفسي... "بمحور الشر"‏