تصادف انتهاء زيارتي إلى لبنان وسوريا، بعد انقطاع لأكثر من عامين، مع تأهب قوى المعارضة اللبنانية لتنظيم تظاهرتها المشهودة ضد البرنامج الإصلاحي لحكومة فؤاد السنيورة، في الظاهر والمعلن، وإعراباً عن معارضة التوجه السياسي لتيار الأكثرية الذي تمثله الحكومة في الحقيقة والواقع الذي يعرفه الجميع. كنت قد بدأت زيارتي، في مطلع أيار مايو، سعيا إلى التعرف عن قرب لأبعاد الموقف الذي أتابعه، بغير انقطاع، لأكثر من ثلاثين عاما. وجئت مفعما بالأمل في أن تبدد الصورة القريبة للواقع ما أثارته المتابعة، على مدى العامين الأخيرين، من دواعي القلق والمخاوف إزاء تداعيات الأحداث على العاصمتين بيروت ودمشق وعلى العلاقات السورية اللبنانية على وجه أخص. أخشى أن أقول إنني عدت.. وقد تجددت المخاوف، ولم يتبدد القلق!

في بيروت، خيمت ذكرى مرور عام على الانسحاب السوري من لبنان، على المزاج العام اللبناني. في الشارع، ولدى الأوساط السياسية على السواء. وكأنما حفزت المناسبة الجميع للانخراط في مناقشات واجترار الذكريات حول فترة الوجود السوري في لبنان التي طالت ما يقرب من ثلاثين عاما. ومرة بعد أخرى، في شتورا وجونيه وطرابلس وبالطبع في بيروت، كان عليّ أن أستمع إلى فيض من الحكايات والتفاصيل حول <الأخطاء> و<التجاوزات الفادحة> التي ارتكبتها القوات السورية في لبنان طوال هذه الفترة المديدة. ولم يكن ما سمعت من روايات جديدا عليّ تماما، فقد قدر لي أن أكون موجودا في لبنان عندما دخلته القوات السورية لأول مرة في العام ,1976 كما أنني عايشت الأحداث التي توالت بعد ذلك لسنوات عديدة، وقد شهدت الكثير خلال تلك الفترة ولا تزال لديّ بدوري ذكريات عما مرّ بي من أحداث ووقائع. ومع أنني أتفهم تماما المزاج السائد في لبنان هذه الأيام، و<الحالة النفسية> التي تغري اللبنانيين باجترار الذكريات وروايتها لبعضهم البعض، فقد بدا لي أن هناك قدراً من المبالغة في ما يروى، وجنوحاً لدى البعض على الأقل إلى الإيحاء بإدانة <الدور السوري> في لبنان برمته!

ولست أقصد الخروج بنتيجة مؤداها أن هناك إنكاراً كاملاً، من جانب اللبنانيين الذين التقيت بهم، لما كان للدور السوري من إيجابيات ساعدت على تدارك أخطار كثيرة تهددت لبنان على مدى سنوات الحرب الأهلية التي عصفت به، ولكنني أردت فقط الإشارة إلى هذه الحالة النفسية أو المزاج العام السائد بين اللبنانيين كما لمسته. وفضلا عن ذلك، فقد بدا لي أن هذه الحالة أو المزاج العام تقترن بعزوف عن الخوض في مناقشة جادة حول مستقبل العلاقات اللبنانية السورية، حتى لدى من التقيت من رجال السياسة والمثقفين والمهتمين بالشأن العام. صحيح أن هناك تسليماً بأن مسألة العلاقات ينبغي أن تعالج بكل جدية، من أجل صالح البلدين، ولكن هناك شبه قناعة سائدة بأن الوقت الراهن ليس هو المناسب للبدء في هذه المعالجة مع وجود كل هذا الكم من التعقيدات والمشكلات التي تفرض تأجيل البحث إلى مرحلة لاحقة. ويلمح الذين يجاهرون بضرورة إرجاء البحث في تفاصيل مستقبل العلاقات مع سوريا، إلى أن هذا التأجيل تفرضه عمليا التدخلات الأجنبية، التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية، وهي تدخلات باتت علنية ومعروفة، وبسببها لم تعد العلاقات اللبنانية السورية شأناً ثنائياً كما ينبغي أن يكون.

على أن أشد ما أثار مخاوفي، خلال هذه الزيارة السريعة للبنان، هو حالة <الاستقطاب> السياسي الحاد التي تعيشها البلاد الآن، والتي كانت تظاهرة العاشر من أيار/مايو إحدى تجلياتها. ومن الواضح أن العلاقة مع سوريا تمثل أحد محاور الخلاف الأساسية بين التيارين المتنازعين على الساحة اللبنانية حاليا، بالإضافة إلى ملفات خطيرة أخرى تبدأ من الموقف من رئاسة الجمهورية، ولا تنتهي بالجدل حول سلاح المقاومة. وبينما يراهن اللبنانيون على أن استمرار الالتزام بصيغة <الحوار>، الذي تنعقد جلساته وتنفض دون نتائج حاسمة، باعتبارها الصيغة التي يمكن أن تحول دون تدهور الخلاف وجر البلاد إلى ما هو أخطر، فإن هناك شعوراً بالتشاؤم إزاء إمكانية التوصل عبر هذا الحوار إلى نقاط اتفاق حول الملف الأهم وهو العلاقات مع سوريا. ومن المؤكد أن التدخل الخارجي (الأميركي الفرنسي تحديداً) يشجع فريقاً من اللبنانيين، والذي بات يعرف ب<الأكثرية>، على المضي قدماً في طريق ليس من شأنه أن يؤدي إلا إلى تعميق <الخصام> مع سوريا. ومع أن كل تجارب لبنان تؤكد أن الأطراف الخارجية لم تتدخل مرة واحدة إلا لكي تحقق مصالحها هي، دون أن تعبأ بأي قدر بمصالح لبنان، فلا يزال هناك من يفضل المراهنة على <الخارج> والاعتماد على القرارات الدولية لفرض الحلول... حتى وإن بدا بعضها مستحيلاً. بل إن هناك من يذهب إلى أبعد من ذلك بالدعوة، أو قل <التحريض>، على أن تقترن القرارات الدولية، في شقها المتعلق بسوريا خصوصاً، بآلية تضمن فرض تلك القرارات وتنفيذها. وفي اليوم الذي وصلت فيه إلى بيروت (الأول من أيار)، طالعني تحليل في صحيفة <النهار> يطالب سوريا بمساعدة لبنان على <تنفيذ ما تبقى من قرار مجلس الأمن رقم ,1559 لأنه لا يستطيع ذلك بمفرده.. حتى لو تحقق الإجماع على طاولة الحوار>. بل إنه دعا المجتمع الدولي إلى التدخل كلما دعت الحاجة، وكلما تلكأت سوريا في تقديم المساعدة المطلوبة. وفي تحليل آخر طالعني ما مؤداه <أن سوريا، بعد مرور عام على انسحاب قواتها من لبنان، تحاول العودة إليه سياسياً من خلال من تبقى لها من حلفاء لبنانيين> وأن المطلوب أن يخرج تنفيذ قرارات مجلس الأمن من مرحلة الاعتماد على لبنان وحده إلى مرحلة يجري فيها تدويل هذا التنفيذ عن طريق قرارات جديدة تحدد آلية لهذا الغرض <بحيث يخرج لبنان نهائيا من دائرة الضغوط السورية والتدخل في شؤونه>!

ولكن هذه الدعوات، ووجهات النظر التي تمثلها، لا تعربد وحدها في فراغ لبناني مطلق. فهناك فريق معتبر من اللبنانيين يطرح، في مقابلها، رؤية مختلفة للمشهد السياسي في مجمله وللعلاقات مع سوريا على وجه أخص. وعلى الرغم من أن هذه الطروحات المضادة تزيد من الإحساس بوطأة حالة الاستقطاب والتناحر السياسي التي يتخوف منها اللبنانيون، ويتحسبون لتداعياتها السلبية بعد كل ما مر بهم في السنوات الأخيرة من تجارب ومحن، إلا أن هذه الرؤية المختلفة تظل، في ما بدا لي، ضرورية لمعادلة وكبح جماح نزعات اللجوء إلى الأطراف الخارجية والدعوات غير المتبصرة للتدخل الخارجي. وفي هذا السياق، ظهرت تحليلات وأطلقت تحذيرات من خطورة أن تصبح العلاقات اللبنانية السورية، من الآن فصاعدا، محكومة بمجموعة من القرارات الدولية التي ليس من شأنها إلا أن تراعي مصالح تلك الأطراف التي عملت على إصدارها ودون أن تهتم بالضرورة بمقتضيات الصالح اللبناني. ونبّه الذين أطلقوا هذه التحذيرات، كما عبّر عن جانب منها الزميل طلال سلمان، إلى أن من شأن القرارات الدولية <إغلاق الأبواب أمام أية مصالحة محتملة.. وهي مصالحة تمثل ضرورة حياة بالنسبة للبلدين>. وإلى جانب ذلك، ترددت دعوات و<نصائح> تنبه إلى ضرورة الفصل بين معالجة قضية العلاقات مع سوريا عن ملف التحقيق الدولي في اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، والذي يبدو أنه لا خلاف حوله بين الفرقاء اللبنانيين، كما بدا أن جهوداً حثيثة تبذل لإقناع البعض بأنه لا مصلحة للبنان في خوض معركة الآخرين الغرب مع النظام السوري.. سواء بالمشاركة أو بالوكالة.

وإن بدا أن مثل تلك الدعوات والنصائح لا تلقى، في معظم الأحوال، ما تستحق من اهتمام.

على الطريق من بيروت إلى دمشق، بدت منطقة المعابر، التي عهدتها دائما مزدحمة تعج بالعابرين، قليلة الحركة على نحو يثير الرثاء.

فالمحلات والدكاكين على طول الطريق بين بلدة شتورا ونقطة <المصنع> الحدودية، إما مقفلة أو هي شبه خالية، بينما لا يشاهد على موقع الجوازات والجمارك سوى عدد محدود للغاية من السيارات والعابرين. وفي المشهد ما يذكر بشدة بمدى ما يلحقه تدهور العلاقات بين البلدين من أذى بالمصالح المباشرة للناس، وهي مصالح لا تتوقف عند تداخل العائلات بالمصاهرة وعلاقات العمل بل تمتد إلى التبادل التجاري وألوان أخرى كثيرة من المصالح التي ربما يجسدها بوضوح حجم التجارة العابرة (الترانزيت) التي أصيبت بضربة قاسية في الصيف الماضي عندما اصطفت على الحدود قوافل الشاحنات اللبنانية المحملة ببضائع قابلة للتلف.

وفي دمشق، بدا الوضع، بالمقارنة، هادئا، في الظاهر على الأقل. كما بدا لافتا على وجه خاص، أن <حالة القلق> من الضغوط الدولية الشرسة على سوريا وتداعياتها المحتملة هي أقل في الحقيقة مما كان متوقعاً.. ربما بسبب التطورات الدولية والإقليمية التي جعلت الولاياتالمتحدة المنتج الأساسي لهذه الضغوط تنشغل بهمومها في العراق وخلافها مع إيران بأكثر من انشغالها بملاحقة النظام السوري. أيضا، ربما يكون هناك قدر من الصحة في ما يروى عن وجود اتصالات دولية تجرى بتكتم بعيداً عن الأضواء، وأنها قد نجحت جزئياً في تخفيف الضغوط، ما ساعد بالتالي على التخفيف من حدة القلق الذي كانت دمشق تستشعره منذ واقعة اغتيال الحريري وردود الفعل الحادة عليها نتيجة للجنوح، من جانب الولايات المتحدة وفرنسا خصوصا، إلى توجيه الاتهام منذ اللحظة الأولى إلى دمشق في جريمة الاغتيال.

ومع ذلك، فإنه ما ان يثار موضوع العلاقات اللبنانية السورية حتى يلمس المرء شعورا بالمرارة لدى الأوساط السورية عموما، حتى في أوساط المعارضة. وهناك نوع من التسليم السوري بأن أخطاء كثيرة وجسيمة قد ارتكبت في لبنان، كما أن هناك إقراراً بأن أداء القيادات السورية وخاصة العسكرية والاستخباراتية قد اتسم عموما بالقصور، وانتهج أحيانا أسلوب التهور والصلف في معالجته للشؤون اليومية والقضايا الاستراتيجية على السواء، فضلا عن وقوع العديد من تلك القيادات في شرك <الفساد> المدمر. ومع ذلك، فإن هناك قناعة لدى الغالبية من السوريين، بمن فيهم المعارضة، بأن المسؤولية في هذه الأخطاء، ولا سيما في ما يتعلق بالفساد والإفساد، يتقاسمها الجانبان معا. وعلى نحو ما استمعت في بيروت إلى حكايات عن التجاوزات والأخطاء التي تنسب إلى القوات السورية في لبنان، وجدت في دمشق عشرات الأمثلة التي تروى عن <استماتة> أطراف لبنانيين في شراء ذمم المسؤولين السوريين باستخدام الرشوة والتحايل وبأساليب تكاد تكون كالقصص الخيالية من فرط غرابتها!

أما بالنسبة لمستقبل العلاقات السورية اللبنانية، فإنه يمكن القول إن دمشق تبدو أكثر ثقة وأقل عصبية وانفعالا، وإن كان الأمر يحتاج إلى مزيد من الصبر والرهان على عنصر الوقت لمعالجة هذا الملف الذي يعتبره السوريون من مختلف الأطياف على درجة عظيمة من الأهمية حتى ليكاد يفوق في خطورته أي ملف آخر. وعندما قام رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري بزيارة إلى دمشق (في السابع من أيار/مايو) وجدها البعض مناسبة، نظرا للظروف التي تمت فيها الزيارة وتوقيتها، لتأكيد البرهان على استحالة استبعاد سوريا أو إبعادها عن الشأن اللبناني تحت أي ظرف. وعلى الرغم من أن هناك تسليما باستحالة عودة الوضع السابق، الذي كان الوجود السوري فيه يعتمد أساساً على الوجود العسكري المباشر على الأرض اللبنانية، فإن المرء يلمس قناعة تكاد تكون شاملة لدى الكافة بأن سوريا لا تملك التخلي عن القيام ب<دور ما> في لبنان الذي هو، تاريخيا، جزء منها، والذي أثبتت الأحداث أنه يمكن أن يكون ممراً أو مقراً للمؤامرات عليها.. فضلا عما هو معروف من تشابك العلاقات والمصالح بين البلدين على كل المستويات.