في يوم واحد، 17/,5 نشرت جريدة <تشرين> الحكومية السورية مادتين حول <إعلان بيروت دمشق اعلان دمشق بيروت>، واحدة بتوقيع عصام داري والأخرى بتوقيع <المحرر السياسي>. تشترك المادتان في التشكيك في توقيت صدور الإعلان، وفي اعتباره تبرئة لإسرائيل وإدارة بوش من كل الكوارث والمآسي التي يعيشها لبنان، حسب تعبير <المحرر السياسي>. ويرى كاتبا <تشرين> أيضا أن الإعلان يتهم سوريا ويتجنى عليها ويحملها مسؤولية تدهور الأوضاع بين البلدين، حسب تعبير داري. أشعر أني معني جدا بالرد على كلام <تشرين> التخويني، لا لأني أحد الموقعين على الإعلان فقط، وإنما كذلك لأن منطق كاتبيها، منطق احتكار الوطنية وتخوين المثقفين والمعارضين، هو ذاته المنطق الذي سبق له أن سوّغ مقامي مع ألوف غيري سنوات طوالا في السجن.

1 ليس هناك شيء نوعي بخصوص تساؤل <تشرين> عن التوقيت الذي يصاغ عادة في الشكل التالي: <لماذا الآن، وفي هذا التوقيت بالذات؟>. فلطالما طرح التساؤل الشكاك ذاته بخصوص أي مبادرة أو تحرك احتجاجي يقوم به مثقفون أو معارضون سوريون. أن يزامن بيان التسعة وتسعين قبل أقل من ست سنوات وصدور بيان المطارنة الموارنة في لبنان في خريف ,2001 وأن يقارب موعد <إعلان دمشق> وقت صدور تقرير ميليس الأول في تشرين الأول الماضي، وأن يتواقت <إعلان بيروت دمشق> مع مداولات مجلس الأمن التي تمخضت عن القرار ,1680 لهي أمور لا يمكن أن تنسب إلى نوايا حسنة حسب <المحرر السياسي>.

على أن المشكلة في الواقع ليست في تواقتات عارضة إلى هذا الحد أو ذاك، بل في أن الأوقات جميعا غير مناسبة، بل مشبوهة، للعمل المستقل والمعارض من وجهة نظر أجهزة الحكم السورية. الوقت المناسب للنشاط العام المستقل والمعارض هو وقت لا يأتي أبدا. هذا بالضبط هو معنى حالة الطوارئ. وليس مصادفة أنها لا تضيق أبدا بالاعتقال على الرأي.

2 توحي قضية التوقيت أنه لو جرت الأنشطة العامة المشار إليه في وقت آخر لما أثارت ريبة الأجهزة الأمنية والإعلامية الرسمية في سوريا. كلا. ف<المثقفون> المزعومون (القوسان ل<تشرين>)، السوريون واللبنانيون، يقومون أيضا بتبرئة إسرائيل وإدارة بوش من دم العلاقات السورية اللبنانية النازف. هذا اتهام مثير للاشمئزاز ولا يستحق الرد. فللمثقفين والناشطين الموقعين على البيان إسهامات فكرية وعملية ضد العدوانية الإسرائيلية، وتضامنا مع شعب فلسطين، وتشريحا لسياسات الهمينة الأميركية وانحيازها الأعمى لدولة الاحتلال. وسيكون من باب هدر الوقت التذكير بأعمال ميشيل كيلو، فك الله أسره، وبرهان غليون وطيب تيزيني وصادق جلال العظم وغيرهم من سوريا، وإلياس خوري ونضال الأشقر وفواز طرابلسي وأحمد بيضون وغيرهم من لبنان. ولا ريب في أن أولئك المثقفين يعتقدون أن الرد الأكثر جدية على الاحتلال الذي يسلب الفلسطينيين ومواطني الجولان السوريين حريتهم هو أن يتمتع السوريون واللبنانيون والعرب بحريتهم؛ وأن نسعى إلى التفوق على ذاك الكيان العنصري عبر ضرب مثل في المساواة وحكم القانون وتفتح الحريات في بلادنا. 3 ليس المثقفون السوريون ضيوفا في بلدهم، وواجبهم أكثر حتى من حقهم يملي عليهم نقد السياسات الحكومية التي يتأثر بها حاضر البلاد ومستقبلها. لا وجه، إذاً، للكلام على <اتهام سوريا> أو <التجني على سوريا> أو التحامل عليها. يمكن ل<تشرين> أن تناقش المثقفين السوريين، ويمكن أن تنتقدهم وتعتبرهم مخطئين، يمكن حتى أن تتهمهم بالتجني على النظام الحاكم، لكن لا يحق لها أخلاقيا ووطنيا أن تتهمهم بالتجني على بلدهم ولا بتبرئة العدو الإسرائيلي وسنده الأميركي. هذا <انغماس في العيب> (عنوان مقالة داري)، يندر للأسف أن نصادفه في عالم اليوم في غير بلدنا.

لكن لماذا تسارع <تشرين> وغيرها من أدوات الإعلام الرسمي إلى سلاح التخوين الشامل ضد المعارضين؟ ألذلك علاقة بالعجز عن مقارعة الحجة بالحجة؟ وألا يعني أن النظام هو الوطن من وجهة نظرها، وتاليا نقد النظام خيانة للوطن؟ وكيف يستقيم ذلك مع الكلام على الوحدة الوطنية؟ 4 الأمانة تقتضي من <تشرين> أن لا تنسب إلى الموقعين على الإعلان اعتبارهم وجود العمال السوريين في لبنان <ضارا للبنانيين>، واضعة قوسين حول الكلمتين، بما يوحي أنهما مقتبستان منه. دعا الإعلان إلى تنظيم أوضاع العمالة في البلدين، بما يضمن مصالح التنمية في كل منهما من ناحية، وبما يستجيب لمصالح العمال أنفسهم من ناحية أخرى.

ليس إعلان المثقفين نصا مقدسا: صيغته بخصوص العمالة غير موفقة، وكان يمكن أن يكون أكثر نقدية وتاريخية، أكثر شمولا وتوازنا، وأقل سياسية ظرفية؛ لكنه نص مفتوح، نقده ضروري والبناء عليه ممكن دوما، وهو بمجمله نموذج طيب للشراكة بين مثقفي البلدين التوأمين.

يبقى أن مقالتي <تشرين> هما الوجه الإيديولوجي لحملة أمنية استهدفت حتى ظهيرة يوم الخميس، 18/,5 قرابة 15 من الموقعين على الإعلان. بعبارة أخرى، إنها <الفتوى> التي تمنح الشرعية لاعتقالهم ومحاكمتهم. وبينما كان يستحيل التنبؤ بالمصير الذي يدخره التاريخ للإعلان، فإن موجة الاعتقالات التي تلته في سوريا ستمنحه قيمة تاريخية تتخطى تصورات موقعيه.