نضال الخضري

حتى الأنثى يمكن أن تشعر بالغربة في الوطن، او تبحث عن التعريفات المتعددة التي لازمتها منذ "الإثم الكنعاني وصولا إلى "الذنب الأمريكي" ... فهل من معنى للغربة او للوطن وسط فوضى اللون، أو انعكاس القدر على الجسد سواء كان لذكر او انثى أو لخصب الأرض التي لا نراها إلا كما نشتهيها؟ أشعر بالغربة لأنني لا أعرف كيف أفكر بالوطن إلا حلما ... أتلفت حولي فلا أستطع فهمه لأنني تعلمت أن سماءه تلفني وتعطيني الحياة، ولم أفكر أنني يجب أن أتحمل مشقة "العطاء". ربما رايته على صورة "رجل" لكنه في النهاية انعكاس لوجهي .. لوجوهنا .. للحب الذي نريده ونعجز عن منحه لغيرنا.

أتذكر صورة إعلامي عراقي عندما عاد بعد الغربة إلى بغداد، ولاحقته كاميرا التلفزيون عندما بكى ليقول "ليست هذه بغداد التي أعرفها" ... فهل نعرف باقي مدن الوطن، أم أننا نعشق الذاكرة التي كانت بحجم طفولتنا، ثم شوهتنا المشاهد الجديدة بعد أن استلقت أحلامنا في المهد واتسعت قدرتنا على نسيان أنفسنا؟!!

وطن بحجم الذاكرة ... بقدرة عيوننا على مداعبة الجمال ... لكنه يبقى لونا نرسمه بخيالنا ليكون مسرحا لاتهاماتنا بأننا غرباء. فالأنثى غريبة ... الذكر غريب ... والوطن "فردوس" مفقود لا يحتمل صور الإنتاج، بل مساحات الاسترخاء على عليات "الجنة". وإذا نسينا "الخيال" نقع أسرى للفوضى والدم وكل ما تحمله الفضائيات من تسجيلات تقدم لنا غربة عن أنفسنا. فعندما نعجز عن استعادة "الإثم الكنعاني" ... الارتباط بالأرض ... فلأننا ذكور وإناث لا نعرف الخصوبة إلا كما نريدها، نوع من اللذة الجوفاء التي توحي بالعقم، وتتركنا داخل وطن دون أبناء ... وطن كجارية هرمة نتذكر صباها ... بالطبع حلم ذكوري ومأساة أنثى، لكنها توحدنا على صوت واحد من الماضي الذي نريده واقعا دائما.

في "غربتنا" غربة للوطن داخل مجتمع يعجز عن تصوير نفسه ألق دائم في طاقة الإبداع ومساحات الإحباط .. لن الوطن ليس "جنات خلد أعدت للمتقين" ... إنه حياتي وحياة الملايين قبلي وبعدي ... وتجارب لا نريد خوضها ... وإناث "معنفات" و "جرائم شرف" وشهداء ولحظات بطولة.

لست غريبة لأنني أراه عالمي، فيحمل كل ما املك أو أحمله لحظة وألهث من مصارعة الماضي. ولست غريبة وصوت الأصوات التي تلاحقني لأنه ليس طفلا بل وطن يحمل الاحتمالات، ويحتضن كل تفاصيل الحياة، وأقفز فيه عبر الثواني والدقائق لأنني أعرف أنه الحياة بكل المفاجآت التي تحمله، وهو ليس الدار التي أغلقها على نفسي ثم أردد "غربة في الوطن".......