شغل الملف الفلسطيني حيّزاً من الاهتمام في مناقشات وزراء خارجية دول حركة عدم الانحياز، في بوتراجايا ماليزيا، على مدى الأيام الثلاثة الماضية ودائماً تحت عنوان: <هل تحوّلت القضية، الى عبء على أصحابها، قبل الآخرين، من أصدقاء، ومناصرين؟!>.

كانت <محوريّة>، منذ مطلع الستينيات، الى منتصف الثمانينيات؛ يقول أحد <المحاربين القدامى في الحركة>، فرضت نفسها متكئة في الداخل على <الحركة الوطنية> بقيادة كمال جنبلاط، وعلى السفارة السوفياتية في بيروت، التي كانت عاملاً فاعلاً ومؤثراً في الحياة السياسية اللبنانية، وعلى حركة عدم الانحياز، في عصرها الذهبي بقيادة المؤسسين التاريخيين، وفي طليعتهم جمال عبد الناصر.

في تلك العقود من الزمن، يضيف المصدر، عرف ياسر عرفات كيف يصعد بقضيته. من منظمة الى حركة تحرر لها شأنها على المستوى الدولي، ومن قضية في ملف الصراع العربي الإسرائيلي، الى قاعدة، وأساس، ومرتكز هذا الصراع. أما اليوم فالأمر مختلف، والدليل ان حركة عدم الانحياز، التي قدمت الكثير من الدعم، إنْ على المستوى الدولي، او داخل الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية المتفرعة عنها، تتعاطى مع القضية الفلسطينية كملفات مبعثرة، وقضايا جانبية طارئة على مشاغل واهتمامات بعض الدول، فهي في مصر تتسكع عند حدود الوساطة لتوحيد الصف، ومنع الاقتتال الفلسطيني الفلسطيني، وفي سوريا، مجرد فصائل يحظى بعضها بدعم من السلطات السورية؛ فيما البعض الآخر قد يحظى بالقطيعة، والمقاطعة، وفي لبنان، ليل لا ينتهي من الكوابيس المقلقة، من خطر التوطين، الى خطر السلاح المنتشر خارج المخيمات، وفي داخلها، الى خطر التشرذم، والفئوية، الى خطر الانفجار الاجتماعي، والمعيشي، إذا لم يتم تدارك الأمور، بالحكمة والسرعة القصوى... وهي في الأردن، خطر تكديس السلاح، وتهريبه، وتخزينه، وهو الملف الذي يتقدم اهتمامات الأردن أمام المحافل الاقليمية، والدولية؟!...

ويضيف المصدر <ان الملف الفلسطيني في لبنان متجذّر، ومتشعّب؛ ولم تتم مقاربته بشكل علمي، موضوعي على طاولة الحوار الوطني، بل نُظِر اليه، وكأنه ملف طارئ، لا يعني لبنان بشيء، إلا من موقع الحرص على رفض التوطين من جهة، والحرص على الحوار من جهة أخرى، مع وفد ممثل واحد، موحّد؛ لمعالجة كل القضايا المطروحة، او العالقة بين الجانبين.

إن النظرة هذه مبسطة جداً يتابع المصدر لأن القضايا هذه، أشبه ما تكون ب<الأوعية المتصلة>، فإذا ما انعقد العزم على معالجة قضية، تبرز، وفي سياق التنفيذ، الضرورة الى معالجة الأخرى ولذلك انكفأ رئيس الحكومة فؤاد السنيورة، في مرحلة من المراحل، الى التموضع وراء المطالبة بوفد فلسطيني موحّد للحوار، في وقت كان يشعر فيه أنه بإمكانه الخروج بهذا الملف الى المنتديات العربية والعالمية، الى الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، الى عواصم الدول الكبرى، وهي عواصم <الدول المانحة> أيضاً ل(الاونروا)، بهدف ايجاد الحلول، والمخارج، للاعباء التي يتحمل وزرها لبنان. ويرى المصدر، أن طرح الملف الفلسطيني في لبنان على طاولة الحوار؛ لم يأت من موقع قوة، او من بُعد نظر، ولكن فرضه الفشل الذي مُنيت به الجهود التي بذلت لحمل المجتمع الدولي على تنفيذ، ما يقتضي تنفيذه من القرار ,1559 الخاص بالسلاح الفلسطيني، أو <بالميليشيات غير اللبنانية> كما ورد في البند الثالث من هذا القرار.

وبعد الانسحاب السوري، وعندما انتقل البحث الى تنفيذ سائر بنود القرار، ارتضى <لبنان الرسمي> بمعالجة سلاح <حزب الله> عن طريق الحوار؛ لأن الطرق والوسائل الأخرى تقود الى زعزعة الأمن، والاستقرار، والعودة الى الاقتتال الداخلي.

كان على المتحاورين يضيف المصدر أن يأخذوا بعين الاعتبار مسألتين حساستين طارئتين: الأولى: أن البيت الفلسطيني لم يعد موحداً، وهناك صراع قوى، ونفوذ، مفتوح على المجهول. الثانية: أن القضية الفلسطينية لم تعد في عهدة المؤتمنين عليها، بقدر ما أصبحت في عهدة الدول المستغلة ظروفها، وحيثياتها، وأيضاً تناقضاتها، حيث كل فصيل يستقوي بدولة، او بنظام، وكل مجموعة تتخندق في محور مقابل للمحور الآخر، الذي تتخندق وراءه فصائل أخرى؟! وعندما حاولت الرباعية الدولية، خلال اجتماعها الأخير، ان تقدم حلولاً للعقدة المالية التي تواجه السلطة، بعد فوز <حماس> في الانتخابات، وجدت هي نفسها أيضاً أمام حائط مسدود ساهمت في بنائه؛ وعلى قاعدة إذا كانت الدعوة الى الانتخابات الفلسطينية من صلب النهج الديموقراطي المطلوب، فلماذا التشكيك بنتائجها؟ وإذا كان فوز <حماس>، ووصولها الى السلطة هما المشكلة، فلماذا معاقبة الشعب الفلسطيني بأكمله، وعن بكرة أبيه، بوقف المساعدات، والتقديمات المالية؟! وفي ظل هذا المناخ الضاغط يضيف المصدر وصل عباس زكي الى بيروت، على وجه السرعة، وفي مبادرة غير مسبوقة، ليحتلّ مقعد الممثلية الفلسطينية في بيروت، والذي كان قد استحدثه قرار مجلس الوزراء اللبناني وجاء وصول عباس استجابة للاتصالات المباشرة، بين محمود عباس، والأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان، الذي يعير الملف الفلسطيني أهمية خاصة، خصوصاً في لبنان، وبعد صدور القرار .1559

ومع وصول عباس، فوجئت الحكومة اللبنانية، مرّة بالسرعة التي تمّ فيها الاعتماد وفوجئت ثانية، بسرعة التنفيذ، وفوجئت أخيراً بوجود ممثل للشعب الفلسطيني مشكوك بشرعية تمثيله، من قبل فصائل فلسطينية بارزة، ومن دون ان يتمّ التوصل بعد إلى تفاهم حول الامتيازات الدبلوماسية التي ستمنح له، وللمكتب الذي جاء يرأس فريق عمله.

ويرى المصدر أنه، وأمام هذه العجالة من الأمور، يكون المجتمع الدولي، ممثلاً بأنان قد وضع لبنان على احتكاك مباشر مع الملف الفلسطيني عن طريق جبهتين مفتوحتين: الصراع الفلسطيني الفلسطيني، الذي انتقل مع المكتب إلى بيروت، ليتخذ منها ساحة جديدة. ثم جبهة الصراع مع السلاح خارج المخيمات، حيث أسهم لارسن، ومن خلال تقاريره الدورية حول القرار ,1559 في ان يضع لبنان في مواجهة مباشرة، ومكشوفة مع سوريا، وفي معركة لا يملك من مقوّمات خوضها، سوى دعم دولي خُلَّبي، مقابل مطالبة ملحاح بوجوب تنفيذ هذا القرار، خصوصاً ما يتعلق منه بالسلاح الفلسطيني، والسلاح المقاوم؛ وفي أقرب فرصة ممكنة؟!