منذ سنوات راحت تتناقل الأوساط السياسية في سوريا ، أن أحد مندوبينا المحاورين لممثلي الإتحاد الأوربي حول اتفاقية الشراكة ، مسح الأرض بمندوبي الاتحاد الأوربي بعد أن بطحهم سياسيا ، فقد التقمت عصاه كل عصي الأوربيين وشعبذات سحرهم عن ( الديموقراطية والحريات وحقوق الانسان) ، وذلك عندما فاجأهم بسؤال جعل أفواههم مفتوحة ذهولا حتى اليوم لقوة حجته ، وفهاهة السطحية الأوربية ، وتبجحها التي تكشف عن جهلها في فهم قضايا السيادة الوطنية والدولية ...!!

لقد أخرس تبجحها عندما تتحدث عن ضرورة توقيع سوريا على البند المتعلق باحترام الحريات وحقوق الانسان كشرط لقبول سوريا في الشراكة الأوربية ، وهو ما جاء في الدستور السوري حول الحقوق المدنية والسياسية والتي تبنتها سوريا عام 1969 والتي ينبغي تطبيقها دون حدود – حسب تعبير بيان رئاسة الاتحاد الأوربي الذي يستنكر الاعتقالات الأخيرة في سوريا – والذي يذكر أن مجالات استخدام قانون الطوارئ في سوريا أصبحت محصورة بقضايا أمن الدولة فقط ... وذلك وفق ادعاءات أهل النظام !

لقد كان هذا المقاتل الشرس في الدفاع عن السيادة ( الوطنية / الأمنية ) ، هو الاقتصادي (الستاليني / البكداشي) الذي لم تستطع أربعون سنة ، عاشها في الأمم المتحدة في أوربا أن تقنعه بتغيير رأيه ، ليس بالصلاحية التاريخية لخالد بكداش فحسب ، بل وبتبعيته لعائلة بكداش "المقدسة " أيضا ... هذا الرجل هو صاحب الفكرة النيرة : إن أوربا تكيل بمكياليين بمسألة الموقف من الحريات الديموقراطية ، اذ هي تسكت على الجرائم الاسرائيلية ضد حقوق الانسان ، بينما لا تسكت عن جرائم النظام السوري !؟

وعلى هذا فإن احساسه العميق بالعدالة ( الستالينية / البكداشية ) جعلته يطالب أوربا أن تكون عادلة في موقفها من قضايا الجرائم المرتكبة تجاه حقوق الانسان ، وذلك بأن تسكت على جرائم النظام السوري ، كما تسكت على جرائم النظام الاسرائيلي !

والا فهي غير نزيهة وتكيل بمكيالين وتتدخل في الشؤون السيادية لحق ممارسة الأنظمة للجرائم تجاه مجتمعاتها ، فلكي يكون الاتحاد الأوربي عادلا ونزيها فعليه أن يحقق المساواة (الستالينية ) في تعميم العبودية والقمع والابادة بالتساوي على الجميع ، فلا تخص ربيبتها اسرائيل بهذه الامتيازات دون سوريا !

منذ تلك الفترة التي اكتشف لهم هذا الرفيق ذلك الكنز ( التفسيري والتأويلي ) ، راحو يغترفون منه ، حيث غدت هذه الأطروحة : - "حقوق التساوي مع اسرائيل في القمع "- هي ( ادلوجة السيادة الوطنية في سوريا ) ، فكل من يندد بغياب الحريات وسطوة أجهزة الأمن في سوريا راح يتهم بوطنيته ، لأنه ينكرعلى أجهزة (وطنه) الأمنية حقوقا تمارسها اسرائيل ويسكت عليها الغرب الامبريالي نفاقا !

وقد كوفئ الرفيق على استبساله الوطني في الدفاع عن حق النظام السوري بالقمع اسوة باسرائيل ، و عن حقه بالتساوي معها ، فكوفيء على براعته وهو يقدم حججه الدامغة لممثلي الاتحاد الأوربي ليفحمهم ، بأن اسندت له الوزارة لدورتين متعاقبتين ، لكن وطنيته كانت ناقصة بعدا هاما في الايديولوجية ( الوطنية السورية ) وهو بعد "الفساد" ، فلقد اثبت الرجل علو كعب في الدفاع عن الاستبداد والقمع (الوطني ) ، سيما وأنه يستند الى مقولتين نظريتين صارختين في ثوريتهما الأممية : (الستالينية / البكداشية ) وهي (دكتاتورية البروليتاريا ) في مواجهة ( الديموقراطية البورجوازية الزائفة ) ...

بيد أن سلبيته التي أودت به وأطاحت بمشروعه الاقتصادي (الاشتراكي على الطريقة الصينية) تتأتى من كونه لم يستطع أن يندمج في التحالف ( الثوري ) بين " رعاع الريف وحثالات المدن " المشكل لبنية السلطة السورية ، والذي يقود المجتمع السوري في خوض المعركة ضد الديموقراطية البورجوازية الزائفة وعملائها من الناشطين في سبيل حقوق الانسان والمجتمع المدني ... وذلك لأن –الرفيق البكداشي في الجبهة الوطنية التقدمية - يتحدر من أوساط مدينية وطنية محترمة مجتمعيا لا تتيح له (غريزيا ووراثيا ) أن يكون ( فاسدا/ حثالة مدينية ) وذلك : ( ليكمل دينه الوطني الجبهوي : بالجمع بين الاستبداد والفساد " ، فقررت قيادة التحالف (الرعاعي / الحثالي ) لفظه من الوزارة بسبب " فساد فطرته التي تمنعه من الفساد " ، وعليه -فقد كان لابد أن يغدو قربان الفساد الوحيد في ( المدينة البعثية الفاضلة : مدينة سادوم وعمورة ) !

لكن مقابل انجازاته الايديولوجية الوطنية ، فإنهم اكتفوا بنبذه وطرده من جنتهم لأنه ليس من بني جلدتهم (المافيوزية) ، لكن دون ادخاله السجن ، ليبقى السجن هو السيف المصلت على رأسه مثله مثل بني قومه من الخراف والنعاج والدجاج كما تترأرأ صورة الشعب السوري في نظر ورؤية حاكميه !

هذه الأدلوجة الباهرة : ( التساوي مع اسرائيل في حقوق قمع الشعب ) هي التي تلقفتها الخارجية السورية ووزارة الاعلام في الهتاف بهذه الأدلوجة بوصفها اكتشافا نظريا ابداعيا سوريا خاصا ، ولأول مرة تشارك الصحافة السورية في شن الحملات على الاتحاد الأوربي تحت راية هذا الشعار المعبر عنه بلسان وزير الاعلام الذي " أبدى استهجانه حيال بيان الاتحاد الأوربي حول حقوق الانسان الذي يتجاهل في الوقت ذاته حقوق الانسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة والعراق ومؤكدا أن هذا البيان تدخل سافرا في الشؤون الداخلية للبلدان وانتهاك للقوانين والمواثيق الدولية " .

ان أي دارس مبتدئ للنصوص ، لا يمكن أن يفهم غير ما فهمناه أو يتأول إلا ما تأولناه حول معنى ودلالة الاحتجاج " أن الاتحاد الأوربي ... يتجاهل حقوق الانسان في الأراضي الفلسطينية " بينما يحرم النظام السوري من هذالامتياز ! ؟

هذا الاعتراض في فهم الموقف الرسمي السوري ( الخارجية و الاعلام ) غير دقيق لأن نقد الغرب الرسمي والشعبي لسياسات اسرائيل ، أدى لأن يكون 60% من الرأي العام الأوربي يعتبر أن اسرائيل هي مصدر الخطر على السلم العالمي ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى وهو الأهم والأخطر أن الخارجية والاعلام كأنهما يستبطنان شعورا ( متغربا عن المجتمع ) ، وذلك باستبطانهما لهذا التشبيه بين النظام السوري والاسرائيلي الذي يتكشف عن "هفوة لاشعورية " عندما لا ينتبه إلى أنه بهذا التشبيه يتجاهل الفروق في دلالة التشابه بين "السلطة الاستيطانية الاستعمارية الاسرائيلية " وبين سلطة يفترض أنها وطنية ...! هل يعقل أن الخارجية والاعلام وكتائبهم وسراياهم من الاعلاميين والصحافيين أنهم لم يخطر لهم أن يتساءلوا : هل نمط العلاقة بين السلطة الاسرائيلية ومجتمعها هي ذات نمط العلاقة بين السلطة السورية ومجتمعها ؟ وهل التناقض بين السلطة الاسرائيلية والشعب الفلسطيني هو التناقض ذاته بين السلطة السورية والشعب السوري ؟!

إن دلالة هذه المقارنة التي عبر عنها خطاب الخارجية والاعلام ، لم يكن ليفقد الاعلان : (اعلان بيروت – دمشق ) حصافته فيوحي بما أوحت به اعلانات وزارتي الاعلام والخارجية وكتائبهما الاعلامية ... ولم يكن لتخطر هذه الدلالة- أو الايحاء بها- على بال ( الموقعين الخائنين ) حسب تعبير اعلاميي النظام الذين وجهت له أوامر النزول الى ساحة النضال للزحف ضد من يفترض أنهم زملاؤهم واخوتهم في المثل العليا للثقافة ، فلم يتجرأ أي واحد من هؤلاء الصحفيين والكتاب – سيما ممن لانزال نحمل له بقية من احترام – يعترض ولو بالقلب – على اعتقال زملائهم ! بل ا

استُفز – من يفترض أنه أنظفهم – من بيان الاتحاد الأوربي لذات الأسباب ، وهو ينخرط في النفير الاعلامي ، ليندد بالبيان الأوربي الذي يصمت على عملية الاغتيال الممنهجة ضد الفلسطينيين ، بينما يعتبر " توقبف عدة أشخاص " خرقا ( واسع النطاق ) ؟

هذا الكلام لأهم موهبة قصصية ظهرت في السبعينات ، لكن بعد أربعة عقود من اليباب ،إذ يصبح الاجرام بحق انسانية الانسان تحسب بوصفها مسألة كمية " عدة أشخاص " ، وليس مهما له أن بين "هذه العدة الصغيرة من الأشخاص" أصدقاء له ، ونحن الذين نشأنا سوية نردد فكرة ( كانت ) -عن مامعناه – إن إزالة بسمة عن وجه طفل واحد في العالم هو اساءة للانسانية جمعاء ولا تبررها أي ادعاءات للفضيلة أو القضايا الكبرى ، هل فكر ابن جيلنا القاص بعدد بسمات الأطفال التي ستتلاشى بتلاشي آبائهم في الزنازين ، بسبب فكرة ، ولو كانت كفرا ، وهو الذي يعرف كم يحفل تراثنا العربي والاسلامي بهراطقة وزنادقة ، ظلوا أحرارا كرماء ، وحفظهم التراث الحضاري العربي والاسلامي حتى اليوم كرماء مكرمين في أضرحتهم المعروفة عبر القرون ، رغم أنهم أنتجوا هرطقتهم في العصور الوسطى ، وليس في زمن سور التغيير والتحديث والاصلاح ... !

بل الكارثة تبلغ ذروتها عندما يأتي من يفترض أنه يمثل ( الضمير الالهي ) وهو مفتي الجمهورية ليحتج لدى السفير الفرنسي ،وهو ينطلق من المنهج ذاته ، حيث حمل اليه عدد معتقلي الرأي الفلسطينيين في اسرائيل ( أي أن عدد المعتقلين الفلسطينيين في سجون اسرائيل أكثر مما لدينا من معتقلين !) ، ولم يسعف المفتي كل علومه الفقهية أن هذا القياس فاسد عقلا وشرعا : فاسد عقلا لأنه من الممتنع منطقيا أن يكون الشعب السوري بالنسبة لحكامه ، كالشعب الفلسطيني بالنسبة لحكامه ، وفاسد شرعا ، لأن الشرع الإلهي يبلغ في تسامحه في احترام حريات التعبير والتفكير حد : " من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر فلست عليهم بمسيطر" فقد نزعت الرحمانية الإلهية حق السيطرة حتى عن النبي ، فما بالك بالأخلاط والأوفاض والأوباش والرفاق ؟

الم يخطر للمفتي أي انطباع سيتركه لدى الأوربيين عن الدين الاسلامي وهو يبرر – أي يفتي – لنظامه أن يعتقل مثقفيه من أبناء بلده ، أليس من حق الأوربي أن يتساءل : اذا كان المفتي يفتي بحبس أبناء دينه بسبب حرية التعبير والتفكير فأي تسامح يحمله الاسلام تجاه الآخر ، أي تجاه العالم غير الاسلامي !؟

ليتفق المفتي مع المثقف العلماني الذي يعتبرهم " بضعة أشخاص " لا يستأهلون هذا الرد الفعل الأوربي ! لقد قدم المفتي قائمة بعدد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية ، فلماذا لم يتقدم بقائمة بأعداد الاسرائيليين اليهود المعتقلين في السجون الاسرائيلية كما سيتساءل الاتحاد الأوربي ..!!؟

طبعا ان الدعوة الى مساواة سوريا واسرائيل في حقوق انتهاك حقوق الانسان ، وادانة الأوربيين لأنهم اهتموا بـ ( بعض الأشخاص ) في سوريا ولا يهتمون بما يحدث في اسرائيل ، ليست إلا دعوة تستبطن دلالة مضمرة مخجلة في اللاوعي الثقافي لخطاب بعض أهل النظام المتغطرسين ، مؤداه أنهم غير آبهين لدرجة الشرعية أو اللاشرعية في علاقتهم بمجتمعاتهم حتى لو تمت مقارنتهم باسرائيل ، فهل هناك سذاجة- أو ربما خبث- أبعد من أن تطلب المقارنة بين النظام الذي يفترض أنه وطني ( ابن البلد والوطن والأهل ) بنظام (استعماري استيطاني) ؟ !

وهل يكون المثقف السوري وطنيا ، عندما يكون حياديا في النظر الى بنية النظامين بوصفهما بنية واحدة ، يجب عندما تدان الواحدة أن تدان الأخرى ؟ هل أهل النظام وصحفه جادون فعلا في أن يعتبروا علاقتهم بشعبهم ومجتمعهم ، تماثل العلاقة بين السلطة الاسرائيلية والشعب الفلسطيني الذي يدخل حرب ( كينونة ) ضد السلطة الاسرائيلية ؟ هل يرون أن المعركة بينهم وبين المجتمع هي معركة كينونة كما هي معركة النظام الاسرائيلي ضد الفلسطينيين ؟ ولذلك يستفزهم شعار " المصالحة الوطنية " ،على اعتبار أن طرفي الصراع يدخلان معركة وجود ، أن أكون أو تكون ؟ أي اما السلطة واما المجتمع ، وعلى هذا تستحيل المصالحة !؟ لقد استطاع الرفيق ( الستاليني / البكداشي ) أن يبلِّع أهل السلطة هذا الطعم الايديولوجي باخلاص ، فاستساغوه ، وتأسيسا عليه بنوا فلسفتهم ( التخوينية ) ، القائمة على فكرة أن الآخر الأوربي "ينتهك السيادة ويتدخل بالشؤون الداخلية السورية بينما لا يتدخل بالشؤون الاسرائيلية " ، وعلى هذا فالسيادة اذن هي احترام حقهم الداخلي في انتهاك حريات مجتمعاتهم ، مثلما يحترم الاتحاد الأوربي سيادة اسرائيل في انتهاك حريات الفلسطينيين ولا يتدخل في شؤونها .

اذن إن المساواة مع اسرائيل بحقوق التساوي في انتهاك حقوق الانسان حسب – خطاب وزير الاعلام وصحافته وصحافييه – يبنى عليها مفهوم السيادة ، ويغدو موضوعها واحدا عندما تستند الى آلية المماثلة والمقايسة مع اسرائيل ، وهي فكرة "العلاقة الاستعمارية مع المجتمع" ، ومن ثم يغدو أي خروج على هذا القياس سيعني الخيانة حسب منطوق الصحافة الوطنية ( تشرين ) ...

لن نعطي هذه الجريدة البائسة شرف حق الاستحواذ على النطق باسم الوطنية من خلال سرد السجل الوطني لكل المعتقلين – الذين في كل الأحوال - قضوا حياتهم رفضا لهذا المنطق الذي يساوي بين آلية النظامين (السوري والاسرائيلي ) كما تفعل نشرين وأخواتها ، اذ كانوا جميعا ، يريدون للنظام أن لاتكون علاقته بمجتمعه كعلاقة اسرائيل الاستيطانية الاستعمارية العنصرية بالشعب الفلسطيني ، ويريدون للنظام أن يقنعوه أن هذاالمجتمع الذي يتعاملون معه بكره وعدائية ، هو الأهل وذوي القربى وأبناء الوطن ... ولكي لا نطيل يكفي هؤلاء شرفا أن بينهم من وقع على بيان / 52 / مثقفا الذين رفضوا صفقة مشاركة جيشهم في قوات التحالف ضد العراق في حرب الخليج الأولى 1991 ، ودفعوا لأجل ذلك –ودفعنا الضريبة حصارا واعتقالا- لكي لايكون هناك بقعة سوداء في سجل التاريخ الوطني لسوريا !

ومع ذلك فهناك مفكرون يهود منتشرون في أوربا وأمريكا واسرائيل نفسها ، يأخذون موقفا معاديا ومتشددا من الصهيونية ، مما يجعلهم يؤيدون حتى برنامج حماس الذي لايعترف بدولة اسرائيل ، ومع ذلك فهؤلاء الكبار عالميا ( تشومسكي اليهودي الأمريكي –جون روز اليهودي البريطاني....الخ ) لم يخفوا موقفهم الداعي إلى ازالة دولة اسرائيل ، ومع ذلك لم نسمع عن مثقف من هؤلاء قد اعتقل أو استدعي عن طريق الانتربول ، لأنه يحرض ليس ضد النظام الاسرائيلي فحسب بل ضد كيان اسرائيل ذاته ،أي يدعو لانهاء دولة اسرائيل لصالح أعدائهم العرب ...! بل إن المثقف العربي النقدي المعارض ليحسد عزمي بشارة العربي الفلسطيني على الاضطهاد الموجه إليه وفق آلية الضغط القمعي الاسرائيلي الاستعماري الاستيطاني ضده ، في حين أنه من أجل أن يكسب صداقة نظام عربي ، عليه أن يحج الى ضريح الحاكم الأب من أجل أن يثبت ايمانه برسالته الخالدة ، لكسب بركاته وتفضله القومي عليه ...