يدخل لبنان مرة اخرى مرحلة انتظار جديدة لا احد يعرف مدتها، لكشف المسؤولين عن ارتكاب جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه، وربما مرتكبي جرائم الاغتيالات التي اعقبتها ايضا، وذلك اسوة بكشف مسؤولين عن ارتكاب جرائم مماثلة استغرق كشفهم سنوات. وفي انتظار التوصل الى كل ذلك تصعب معرفة ما قد يستجد من احداث وتطورات في لبنان والمنطقة قد تغير مجرى الامور وتحولها من اتجاه الى آخر. لذلك يمكن القول ان مرحلة الانتظار هذه تجعل الاهتمام يتركز على تنفيذ قرارات مؤتمر الحوار وعلى مصير الحكومة في ضوء ذلك.

ويتساءل احد اقطاب الحوار اذا كانت القرارات التي اتخذت بالاجماع في مؤتمر الحوار لا تنفذ فكيف بالقرارات التي تتخذ بالاكثرية او يظل الخلاف قائما في شأنها؟ ذلك ان لبنان ليس وحده الطرف المسؤول عن تنفيذ هذه القرارات، انما هناك طرف اساسي آخر هو سوريا التي لم تنفع حتى الآن المساعي والجهود العربية ولا الضغوط الدولية في دفعها الى القبول بتنفيذها، وهي تقول مع حلفائها في لبنان ان رسالة كوفي انان للرئيس السنيورة لا تعنيها، ربما لان لهذه المساعي والجهود وهذه الضغوط تاثيرا محدودا في وقت يشعر النظام السوري انه قوي وثابت، الامر الذي يجعله لا يقطع الامل في تغيير الوضع الذي نشأ عن "انتفاضة الاستقلال" في لبنان التي جاءت بنصف سلطة جديدة تواجه سلطة قديمة.

وتحاول سوريا الافادة من الوقت الضائع بحثا عن مرتكبي جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه وتوظيفه لمصلحة مخططاتها، بحيث تعمد الى المماطلة في تنفيذ قرارات مؤتمر الحوار الى ان تتغير الحكومة او توشك ولاية لحود على نهايتها، تارة بالقول ان تنفيذها ينبغي ان يبدأ بتحسين العلاقات بين البلدين وليس باقامة تمثيل ديبلوماسي لا تصح اقامته في مناخات غير صافية وعلاقات متوترة، ولا بترسيم الحدود، لاسيما في مزارع شبعا، حتى اذا ما بوشر به فينبغي ان يبدأ من الشمال وليس من الجنوب، بقصد التأخير والمماطلة، وطورا بالقول ان الحكومة الحالية غير صالحة لتنفيذ قرارات تعني البلدين، وانه لا بد من تشكيل حكومة جديدة يبرر تشكيلها الكلام عن ان يكون لها صفة الاتحاد الوطني، وهذا يتطلب مزيدا من الوقت الذي قد يكون في مصلحة سوريا، قبل الانتقال للبحث في حكومة جديدة من الاكثرية او اللون الواحد.

وتجد سوريا حلفاء لها في لبنان يقولون قولها، حتى من بين المتحاورين. فمنهم من يربط تنفيذ اي قرار من قرارات مؤتمر الحوار بالاتفاق على آلية تنفيذها كلها وليس كل قرار بمفرده، باعتبار ان كل قرار يشكل جزءا من كل، وبما ان التنفيذ ينبغي ألا يبدأ إلا بعد الاتفاق على "الاستراتيجية الدفاعية" فان التنفيذ الكامل ينبغي ان ينتظر التوصل الى هذا الاتفاق...

ومنهم من يربط تنفيذ القرارات بتسلسل ورودها في البيان الذي صدر عن المؤتمر، أي البدء بمعالجة المسائل الحياتية والاجتماعية والانسانية بالنسبة الى الفلسطينيين داخل المخيمات والفلسطينيين المقيمين خارجها في لبنان مع ما يقتضيه ذلك من تسهيلات قانونية ومن متابعة جدية لدى المجتمع الدولي، وتحمل مسؤوليات تأمين العيش اللائق والكريم للفلسطينيين الى حين عودتهم الى ديارهم، ومن ثم، بناء على قرار مجلس الوزراء، معالجة قضايا اللاجئين الفلسطينيين في لبنان لجهة انهاء السلاح الفلسطيني خارج المخيمات في مهلة ستة اشهر ومعالجة قضية السلاح داخل المخيمات، مع تأكيد مسؤولية الدولة اللبنانية والتزامها حماية المخيمات الفلسطينية من اي اعتداء وقد التزم المجتمعون العمل الجدي لتنفيذ ما ورد اعلاه ودعم جهود الحكومة للتوصل الى ذلك من طريق الحوار.

وبعد معالجة الموضوع الفلسطيني يأتي موضوع العلاقات السورية – اللبنانية... ويرى بعض حلفاء سوريا، امعانا في العرقلة لغايات في النفس، وفقا لتسلسل المواضيع كما وردت في بيان مؤتمر الحوار ان تبدأ معالجة المسائل الحياتية والاجتماعية والانسانية داخل المخيمات وخارجها قبل البحث في انهاء وجود السلاح خارجها، وان يتم البحث بعد ذلك في وجــــود هذا السلاح من طريق الحوار، اي ان يكون انهاء هذا الوجود مرتبطا بمعالجة المسائل الحياتية والاجتماعية والانسانية للفلسطينيين داخل المخيمات وخارجها، وهذا يتطلب وقتا من اجل توفير المال اللازم وبالتالي من اجل تعديل القوانين استجابة لمطالب فلسطينية.

وبعد ان يتحقق كل ذلك ينتقل البحث الى موضوع انهاء السلاح خارج المخيمات من طريق الحوار، وهو حوار قد يطول، ولا طريق سواه لبلوغ ذلك، الامر الذي يجعل مهلة الستة اشهر المحددة لانهاء وجود السلاح الفلسطيني خارج المخيمات غير كافية، وستضطر الحكومة الى تمديدها ربما مرة بعد مرة...

واذا كان بعض المتحاورين من حلفاء سوريا وبالتنسيق الضمني معها يحاولون ربط تنفيذ القرارات التي صدرت بالاجماع في مؤتمر الحوار بالاتفاق على "الاستراتيجية الدفاعية" بحيث تصبح ورقة ضاغطة وشرطا لتنفيذ هذه القرارات. وهذا معناه ان الاتفاق بالاجماع على صوغ هذه "الاستراتيجية" قد يطول.

ومن جهة اخرى، يرى متحاورون آخرون انه اذا كانت طاولة الحوار هي الوسيلة الفضلى للتوصل الى اتفاق على اتخاذ القرارات في المواضيع المهمة، فقد لا تكون هي الوسيلة الفضلى لوضع هذه القرارات موضع التنفيذ ما دام الامر مرتبطا بموقف سوريا، وموقف سوريا مرتبط بالتطورات في المنطقة وبالمساعي العربية والضغوط الدولية، الا اذا اجمع اقطاب الحوار على سبل تنفيذها كما اجمعوا على اتخاذها.