ثمة من يعتقد بأن مكمن الخطورة في تحقيقات القاضي البلجيكي في اغتيال الحريري هو في الأسرار التي لم يبح بها...دمشق

ثمة شعور في دمشق بانتهاء الضغوط وبأن سورية لم تعد في دائرة الخطر الوشيك من جراء احتمال اتهامها ومعاقبتها من قبل المجتمع الدولي في جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري، على الرغم من ان مجلس الأمن صوت الخميس على تمديد فترة التحقيق في هذه القضية. وقال جرجس جبور، العضو في البرلمان عن حزب البعث، انه بعد مرور 14 شهرا لا يوجد دليل دامغ على تورط سورية في اغتيال الحريري، وأضاف: «بما ان العالم سارع الى إلقاء المسؤولية على سورية، يجب معالجة الضرر الذي الحق بصورة هذا البلد من جانب الأطراف المسؤولة عن ذلك»، إلا ان هذا الرأي لا يمثل سوى نصف الصورة فقط، إذ ان ثمة شعور لدى البعض بأن سورية في موقف لا يبعث على الاطمئنان، إذ يخشى مسؤولون على مستوى عال من ان يكون المحقق الجديد، البلجيكي سيرج براميرتز، في نهاية الأمر اكثر خطورة من سلفه الألماني ديتليف ميليس. وكان ميليس قد حدد اسماء ووجه تهما الى اشخاص مقربين من القيادة السورية، إلا ان خلفه الحالي لم يفصح عن الكثير مما توصل اليه، ما ترك المسؤولين في السلطة يعتمدون على التخمين والتكهنات ازاء ما سيحدث عند الفراغ النهائي من التحقيق. يقول مروان كابالان، استاذ العلاقات الدولية بجامعة دمشق، ان ثمة قلق في الداخل لكنه غير واضح، وأضاف انه خلال فترة ميليس كانت الأمور واضحة للجميع ولم تكن هناك اسرار وهذا، بحسب اعتقاده، مكمن الخطورة في براميرتز.

وتحاول القيادة السورية تعزيز موقفها منتظرة يوم صدور التقرير النهائي حول التحقيق. وكانت دمشق قد عززت من علاقتها مع طهران واعتقلت قادة المعارضة وسعت الى تهدئة الاسلاميين، كما عملت على إرضاء واشنطن من خلال إغلاق حدودها مع العراق واعتزامها ارسال وزير الخارجية الى بغداد هذا الاسبوع، وهي خطوة نظر اليها مراقبون كونها سعي من جانب دمشق الى المساعدة في بسط الاستقرار في العراق. كان اغتيال الحريري، في فبراير (شباط) 2005 لحظة حاسمة في تاريخ سورية الحديث، فعلى الرغم من ان الحكومة السورية اصرت مرارا على انها لم تلعب أي دور في الاغتيال، إلا ان الحادث تسبب في إجبار سورية على سحب قواتها من لبنان، وأثار انسحاب القوات السورية بدوره شائعات بأن الحكومة السورية تواجه وضعا حرجا. وزادت الضغوط حدة عندما أفاد المحقق ميليس ان شهودا قالوا ان شقيق الرئيس بشار الأسد وزوج شقيقه يقفان وراء التخطيط لعملية الاغتيال، مع إبلاغ مجلس الأمن في نفس الوقت بأن سورية غير متعاونة، إلا انه لم يعد ممكنا النظر الى حادثة اغتيال الحريري كونها حادثا فرديا، وهو وضع ضمن اوضاع كثيرة اخرى اصبحت سمة للشرق الاوسط في الوقت الراهن ابتداء من انتخاب «حماس» لإدارة السلطة الفلسطينية الى نزيف الدم في العراق، هذه الأحداث عززت موقف الحكومة السورية، حتى اذا كان ذلك على المدى القصير.

وقد اثبتت مشاكل سورية مع المتطرفين الاسلاميين انها ذات فائدة، على المدى القصير، بالنسبة الى الحكومة، ففي مطلع الشهر الجاري، كشفت سورية ان قواتها الأمنية قتلت اربعة ارهابيين في الميدان الاموي في دمشق خلال تبادل لإطلاق النار. وكان الدبلوماسيون والمحللون في سورية قد اشاروا منذ شهور عدة الى ان المتطرفين الاسلاميين يتناقشون في ما اذا كان يجب عليهم نقل المعارك الى سورية، وان تبادل اطلاق النار الاخير اكد ان البعض قرر ذلك. ولكن بالنسبة الى الحكومة، فإن التهديد الاسلامي قدم للحكومة فرصة للرد على الجهود الرامية لإضعاف او اسقاط الرئيس بشار الاسد وحكومته البعثية العلمانية.

وقال الدكتور سمير التقي المستشار الصحي للحكومة الذي يشارك في اقامة مركز ابحاث جديد يركز على العلاقات الدولية «من الناحية العملية، بالنسبة الى سورية، لن تتمكن اميركا من احتلال دمشق قريبا، ولن تبدأ غدا الهجوم على ايران، وبالتالي فإن اللاعبين الاساسيين هم اللاعبون الاقليميون»، ولكن كما هو الوضع مع كل الاخبار الجيدة القادمة من سورية فإنها مشروطة. فمحقق الامم المتحدة براميرتز اصدر احدث تقاريره الى مجلس الأمن هذا الاسبوع، واعتبرت على الفور ايجابية بالنسبة لدمشق، الا ان النظرة المدققة للتحقيقات تشير الى ان براميرتز قد استقر على فكرة ان الجريمة ذات دوافع سياسية. ومن الامور الاكثر تشاؤما للمسؤولين السوريين هي ان التحقيق يربط مقتل الحريري بـ 14 تفجيرا في لبنان، طبقا لما ذكره المحللون السياسيون.