المشكلة التي يطرحها هذا السؤال هو أن سوريا كانت دائما في خطر. فقد كانت العواصف تتجمّـع حولها طوال الوقت، بصورة تبدو معها مِـرارا وكأنها على وشك اقتلاعها. كانت خيارات دمشق في التعامل مع المشكلات المحيطة بها تبدو أحيانا وكأنها محدودة أو مقيدة، إلا أن دمشق قد احترفت أيضا ممارسة الألعاب السياسية في "ربع الساعة" الأخير، وكانت قادرة على ابتلاع "الإحراج" وخفض الرأس وقت الحاجة، لكنها تمارس في الفترة الأخيرة ألعابا خطرة وتبدو أطراف كثيرة راغبة في اصطيادها. فهل ستنجو هذه المرة؟

لقد واجهت سوريا خلال سنوات ما بعد عام احتلال العراق (2003) مواقف شديدة التعقيد، تمَـس بقاء الدولة واستقرارها السياسي.

فقد كان من المُـفترض أن تكون الهدف التالي للقوات الأمريكية بعد العراق، وأدّت واقعة اغتيال الحريري إلى دفعها بخشونة خارج لبنان، وقد تمس تداعياتها مستقبلا نظامها السياسي، كما بدأت إسرائيل في تغيير قواعد الاشتباك معها لتضرب مباشرة – وبشكل جراحي – داخل أراضيها ودخلت علاقاتها مع حلفائها الإقليميين في مصر والسعودية مرحلة توتّـر غير مسبوقة.

في ظل تلك الأجواء، تبدو سوريا وكأنها أصبحت هدفا سهلا، خاصة مع ما يُـثار من أن تفاعلات الداخل السوري لا تسير كما كان معتادا، فهناك مشكلة تتصاعد في المنطقة الكردية وتحفّـز مكتوم من جانب الإخوان المسلمين ومعارضة الخارج، وتغيرات محسوسة في المعادلات التقليدية بين الطائفتين الكبيرتين داخل الدولة وتقارير متواصلة – تبدو وكأنها حرب أعصاب - حول مشكلة في "القصر الرئاسي"، لكن سوريا تمكّـنت أيضا من التعايش طويلا مع تلك المشكلات، وظلت رقما صعبا في المعادلة الإقليمية.

الألعاب التقليدية

إن المؤكّـد هو أن سوريا تُـواجه هذه المرة مشكلة متعدّدة الاتِّـجاهات، تتَّـسم بملامح مُـربِـكة قد تقود إلى سوء تقدير، في ظل الإرهاق الذي يمكِـن أن تتعرض له دمشق من جرّاء التهديدات المتتالية، التي يجب عليها أن تتعامَـل معها.

فهناك ضغط أمريكي يترافَـق مع مطالب محدّدة، تتعلق بالعراق ولبنان من ناحية، وضغط إسرائيلي عسكري قد تتكرّر معه الضّـربات الصامِـتة من ناحية أخرى، مع انتظار مُـقلق لنتائج محكمة الحريري الدولية من ناحية ثالثة، وفي ظل تلك "الضغوط الزائدة"، قد يتقلقل الداخل، وهو رِهان قائم لدى كثيرين.

لقد تعاملت سوريا – طوال الفترات الماضية – مع مثل تلك الأوضاع، باستخدام تكتيكات شهيرة، لديها مسميات سورية ومسميات إقليمية معروفة، أولها، سياسة المُـمانعة، التي ترتبط بعرقلة ما لا تريده، طالما أنها غيرُ قادرة على تحقيق ما ترغب فيه، فإذا لم تكُـن سوريا قادرة على شنّ حرب مثلا، فإنها لن تسمح بحدوث سلام في المنطقة إلا بعد أن تحُـل مشاكلها.

وكانت لديها دائما ارتباطات مع حزب الله وحركة حماس، تسمح بمنع التسويات وتسخين الأوضاع طِـوال الوقت، كما قامت بإتِّـباع نفس السياسة تقريبا في التعامل مع التهديد الأمريكي لها عبر ارتباطات عراقية، وقد تمكّـنت من احتمال ثمن كل ذلك حتى الآن.

كما أن سوريا كانت تقوم دائما بالمُـراوغة المستمرّة مع كل الأطراف طوال الوقت، فهي من وجهة نظرها لا تمتلك خيار المواجهة المباشرة للمشكلات ولا تمتلك أيضا خيار الهروب من مواجهة المشكلات، فهي ستخسِـر في الحالتين، لذا، فإنها تُـناور باستمرار في سياساتها الخارجية والداخلية، ممّـا أدى إلى تبلور وضع معقَّـد.

فعلاقاتها مع الولايات المتحدة تتحرّك بين اللاتفاهم واللاصِـدام، وعلاقاتها مع إسرائيل تعتمِـد على صيغة اللاحرب واللاسلم، وعلاقاتها مع دول عربية رئيسية تتّـسم باللاتعاون واللاصراع، وبدا أنها تحتمِـل التعايش مع هذا الوضع.

إن مثل تلك التكتيكات لم تكن – بمعايير المرحلة الماضية – مسألة اختيارية بالكامل من جانب دمشق، فالتوازنات الداخلية في سوريا شديدة التعقيد، كما أن أحدا لم يقدِّم لها أبدا صيغة مُـناسِـبة لحلّ مشكلة احتلال الجولان، على الرغم من أنها كانت مستعدة في بعض الفترات للتقدّم في اتِّـجاه حلِّـها بشكل مُـناسِـب، لكن السؤال هو ما إذا كانت سوريا قد غرقت في التكتيكات لتَـمس بعض "الإستراتيجيات" أو ما إذا كانت تلك الطريقة في إدارة شؤونها الخارجية، كفيلة بالتعامل مع ما يُـتصوّر أنه مأزق يحيط بها حاليا.

العواصف القادمة

إن مشكلة السياسة السورية في الوقت الراهن، هي أنها تبدو وكأنها بدأت تتجاوز "الحِـكمة التقليدية"، التي اتَّـسمت بها لفترة طويلة في اتجاهات، اعتبرتها الأطراف الأخرى تجاوُزا لبعض الخطوط الحمراء، بحيث بدأت العواصف تتجمّـع – كما تمّـت الإشارة – حول سوريا.

فقد أشار بعض المسؤولين الأمريكيين إلى أن ما تقوم به سوريا من دعم للعناصر المسلّـحة في العراق، بما أدّى إلى إراقة "الدم الأمريكي"، لن يُـغتفَـر، ولا تزال أصوات التيّـار المنادي بعِـقاب سوريا أو عزلها، عالية في واشنطن.

كما أن الاتِّـهام الموجّـه لسوريا من جانب أطراف عديدة بالتورط في مقتل الحريري، قد أعتُـبِـر من جانب "تحالف قوى" دولي – إقليمي – لبناني، حركة سورية عنيفة لا يجب أن تمُـر، وأن هناك من يَـجب أن يدفع الثمن في النهاية، وتبدو تلك المسيرة مُـستمرة، على الرغم مِـما يجري داخل لبنان من جرّاء الإصرار على المُـضي في هذا الطريق، فتلك المسألة أصبحت خارج السيطرة.

إسرائيل دخلت على الخطّ بقوّة، عبر تقديرات بدأت منذ أوائل عام 2007، بشأن قِـيام سوريا بتطوير تسليحها بمستوى غير مقبول بالنسبة لإسرائيل، الراغبة ليس فقط في استعادة الرّدع (الذي تصدّع بفعل حرب لبنان 2006) والاحتفاظ بالتفوّق، لكن أساسا، بحرية الحركة العسكرية ضد الأطراف المناوئة، وقد بدا أن سوريا تُـمثل الساحة المُـناسبة للقيام بذلك.

أما الدول العربية، كمصر والسعودية، فعلى الرغم من أنها لا ترغب على الإطلاق في رُؤية سوريا تُـواجه مشكلات مُـستعصية، وعلى الرغم من أنها تُـدرك أن دخول سوريا إلى دائِـرة الأزمة، مسألة لا يُـمكن احتمالها ببساطة، فإن لديها مشكلة حقيقية مع دمشق بفعل قِـيامها بإحداث تحوّل كبير في سياساتها باتِّـجاه التحالف مع إيران، متخلِّـية عن علاقاتها العربية القديمة.

الاختبار الأخير

رغم كل ذلك، فإن السياسة السورية قد أثبَـتت قُـدرتها على التعامل وقت اللُّـزوم مع مثل تلك المشكلات، بما يجنِّـبها تلك الاحتمالات السيِّـئة، التي كانت مُـثارة دائما في مواجهتها، وجوهر تلك القدرة، هو أن سوريا قادِرة على التَّـنازل عندما تواجه ضغوطا عنيفة.

فعندما تعرّضت سوريا لضغط عسكري تركي جادّ عام 1998، خرج عبد الله أوجلان إلى المجهول، وعندما تعرّضت لضغط أمريكي في بعض الفترات، تمّ التعاون ببعض الأساليب فيما يتعلق بمُـشكلة العلاقة مع العناصر المسلحة في العراق.

أما بالنسبة لإسرائيل، فإن سوريا كانت قادِرة على ابتلاع كِـبريائها في مواجهة بعضِ الضّـربات القاسية عبر اللجوء إلى التّـأكيد على سياسة عدَم الانجِـرار، وتفهّـم معظم أطراف المنطقة أن تحالفَـها مع إيران يستنِـد على مصالح محدّدة، وربما يتم التخلي عنه إذا توافرت أمامها مصالِـح أكبر في اتِّـجاه آخر، وهناك إمكانية لتِـكرار صيغة لوكيربي في التعامل مع مشكلة اغتيال الحريري.

لكن القضية، أنه بمُـوازاة كل ذلك، كانت الألعاب الغير مُـباشرة من جانب سوريا مُـستمرة، ممّـا خلق لدى البعض حاليا شكّـا في إمكانية أن تكون سوريا لا تزال قادِرة على عقد صفقات كُـبرى، وعدم ثقة أحيانا في التعامل مع دمشق.

التقدير السائد، هو أن إمكانية عقد الصفقات لا تزال قائمة، وأن لدى سوريا عُـروضا يُـمكن أن تقدِّمها وأوراقا يمكن أن تتنازل عنها، لكن سوريا كانت راغِـبة دائما في معرفة العائد قبل أن تفصح عمّـا لديها، وهو ما قد يخلِـق معضلة شهيرة أيضا، وهي أنها قد لا تقوم بذلك في الوقت المناسب، وقد تقدم أقل ممّـا يكفي لتجاوُز الموقِـف من وِجهة نظر الأطراف الأخرى. فسوريا أحيانا ما تنتظِـر طويلا، حتى وقت ينخفض فيه "ثمن ما تعرضه" أو يكون عليها أن تقفِـز من أعلى سور يرتفع مع الوقت.

إن سوريا – وِفق بعض التقديرات – قد تُـضطر في الفترة القادمة إلى السَّـير في طريق الآلام، على الرغم من رباطة الجأش الذي تبدو عليه، إذ يصعُـب تصوّر أنها قد تترك الأمور لتصِـل إلى نهاياتها دون تحرك مؤثِـر، وهناك دائما سيناريوهات أقل سوءا مما يُـثار في العادة.

فسوريا "محترفة بقاء"، ومن المؤكّـد أنها ستقوم بما هو ضروري وقت الحاجة وِفق تصوُّراتها لحالتها الإستراتيجية، فسوريا تُـواجه مشكلات، لكنها ليست في خطر.