اذا كان مناخ الزيارة الفرنسية المفاجئة الى دمشق، أمس الأول، قد أزاح الصورة المتشنجة التي ارتسمت في أعقاب اجتماع وزيري الخارجية السوري وليد المعلم والأميركية كوندليسا رايس في اسطنبول، فإن مناخ التحريض الأميركي لفريق الرابع عشر من آذار، بالمضي في خيار انتخاب رئيس غير توافقي يتبنى القرار 1559 أولاً، ولو بالنصف زائداً واحداً، كما عبّر عن ذلك صراحة، أمس، السفير الأميركي في مجلس الأمن زلماي خليل زاد، طرح علامات استفهام في أوساط بارزة، عربية وأوروبية، ذلك، أن هذا «التطرف» في الخيارات، إنما بدا مخالفاً لكل المخاطر التي بات يستشعرها كل مواطن لبناني، والتي سيعبر عنها بشكل واضح مجلس المطارنة الموارنة في بيانه الشهري يوم غد. وفيما تحولت الأنظار الى الفاتيكان وواشنطن وشرم الشيخ لمتابعة ما يمكن أن ينتج عن هذه اللقاءات الدولية والإقليمية، فإن زيارة مساعد الأمين العام للجامعة العربية السفير هشام يوسف الى بيروت، اليوم، وغداً، لن تتعدى العناوين العامة، من دون أن يحمل مبادرة أو أفكاراً محددة. غير أن نقاشات المشاركين العرب، ومنهم الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى، وكذلك وزير خارجية فرنسا برنار كوشنير في الاجتماع المتعدد الأطراف، في اسطنبول، أظهرت تمايز الموقفين العربي والأوروبي، عن الموقف الأميركي، لجهة التأييد الحاسم لنصاب الثلثين ورفض دعوة المجلس النيابي إلا عن طريق الرئيس نبيه بري طالما هو يدعو بصورة منتظمة وبالتنسيق مع جميع الأطراف الى الجلسات، لا بل هو دعا إلى أول جلسة قبل أشهر من موعد الاستحقاق. وهذا الأمر، عبرت عنه القيادة السعودية مجدداً، حيث تبلغ النائب سعد الحريري، في آخر زيارة له قبل توجهه إلى العاصمة المصرية، رغبة من أعلى المسؤولين في المملكة بوجوب بذل كل ما يستطيع في سبيل تحقيق التوافق بين اللبنانيين وأن المملكة لا تملك مرشحاً محدداً بل تدعم كل ما يتفق عليه اللبنانيون. كما عبر عن ذلك، الفرنسيون بشكل واضح حيث أقروا باختلافهم مع الأميركيين أحياناً في مقاربة الملف اللبناني، وأكدوا أنهم يريدون «رئيساً مقبولاً من أكبر عدد ممكن من اللبنانيين»، بخلاف الأميركيين الذين يفضلونه حصراً من الرابع عشر من آذار، على حد تعبير الوزير كوشنير، وقال «لدعم أي رئيس منتخب بأكثرية النصف زائداً واحداً أن تسبق جلسة انتخابه جلسة تنعقد بأكثرية الثلثين». وقال كوشنير لمراسل «السفير» في باريس محمد بلوط «إذا انتمى الرئيس المنتخب إلى الرابع عشر من آذار سيكون ذلك شرعياً لانتماء عدد من الموارنة إلى هذا التكتل، وإذا لم يكن من الرابع عشر من آذار ويحظى بتأييد أكبر عدد ممكن من اللبنانيين فذلك أمر جيد»، لكن كوشنير كان حاسماً في احتفال معهد العالم العربي في باريس، أمس، بقوله «لا أريد أن أكون أنا من يختار كما في الماضي القريب رئيساً لبنانياً من لائحة المرشحين لكن لا أريد في المقابل أن تفعل سوريا ذلك بأي حال». وأكد كوشنير للصحافيين «إذا ما انتخب لبنان رئيساً له وفق الأصول الدستورية سيعطي دفعاً للمفاوضات التحضيرية للقاء أنابوليس بين الإسرائيليين والفلسطينيين، لذا طالبت بإلحاح أن ينعقد لقاء أنابوليس بعد الانتخابات في لبنان». وقال رداً على سؤال لـ «السفير» إن الحديث عن الفراغ الدستوري «كان جوهر اللقاء بينه وبين الوزير المعلم وإنه إذا ما وقع فراغ دستوري في لبنان فسيجري ملؤه بطريقة بشعة بحكومتين ورئيسين، ولن يعود ذلك بالفائدة على أحد بل سيؤدي إلى إشعال التحديات والتوترات والمواجهات ولا مصلحة لسوريا في ذلك». في هذه الأثناء، كشفت مصادر دبلوماسية أوروبية بارزة في بيروت لـ «السفير» أن القمة الأميركية الفرنسية التي ستعقد في الساعات المقبلة في واشنطن «ستكون محطة حاسمة في مسار الاستحقاق الرئاسي في لبنان»، وقالت إن زيارة «الموفدين الشخصيين» الأمين العام للرئاسة الفرنسية كلود غيان ومستشاره الدبلوماسي جان دافيد لافيت الى دمشق واجتماعهما المطول بالرئيس السوري بشار الأسد «لم تترك انطباعاً إيجابياً في الاتجاهين وحسب، بل تركت مناخاً مساعداً لرسم مسار جديد في العلاقات الفرنسية السورية». واستدركت المصادر بالقول إن هذا المسار «يبقى رهن اختبار جدي اسمه الاستحقاق الرئاسي، حيث يعول الأوروبيون، وخاصة فرنسا واسبانيا وايطاليا والمانيا، على أن تتلقف دمشق جيداً الرسالة الأوروبية بمرونة، وأن لا تتكرر الأخطاء السابقة». وتابعت المصادر «أن الموفدين الفرنسيين نقلا إلى الأسد حرص الرئيس نيكولا ساركوزي على تطبيع العلاقات الفرنسية السورية، وأن مفتاح ذلك يبدأ بتسهيل انتخاب رئيس جديد للجمهورية، خاصة وأن فرنسا تحرص على انتخاب رئيس جديد غير معاد لسوريا، ونحن ندرك حيوية العلاقات اللبنانية السورية للجانبين». وقالت المصادر «إن الفرنسيين حملوا أسئلة محددة وسمعوا أجوبة سورية محددة كانت في معظمها ايجابية، غير أن السوري رفض الدخول في البحث بأية أسماء، مبدياً استعداده للتعامل بصورة ايجابية مع كل ما من شأنه حفظ استقرار لبنان، لأن سوريا مصلحتها رؤية لبنان مستقراً ومعافى، وبالتالي سنقبل ما يقبله اللبنانيون ويجمعون عليه». وبينما تحدثت مصادر فرنسية عن «أمر محدد» نقل من الجانب الفرنسي وأن الجانب السوري تعامل معه بإيجابية، أكدت المصادر الأوروبية أن نتائج زيارة الموفدين الشخصيين لساركوزي، وبينهم مسؤول ملف العلاقات الأميركية الفرنسية، ستظهر جلية في «الكلمة الأخيرة» التي ستصدر عن قمة واشنطن. إجراءات أمنية مواكبة للملف الرئاسي من جهة ثانية، يعقد المجلس العسكري اللبناني اجتماعه الدوري، اليوم، برئاسة قائد الجيش العماد ميشال سليمان وعلى جدول أعماله سلسلة قضايا عسكرية وأمنية، أبرزها مناقشة الخطة التي ستواكب موعد جلسة الاثنين المقبل التي دعا إليها رئيس المجلس النيابي نبيه بري، والتي لن يقرر تأجيلها إلا بعد استئناف اجتماعاته برئيس كتلة المستقبل النائب سعد الحريري قبل نهاية الأسبوع الحالي، فإذا توافقنا على اسم الرئيس «يمكن أن أقرّب موعد الجلسة وإذا واصلنا البحث نؤجل الجلسة لمدة أيام قليلة»، كما قال الرئيس بري لـ«السفير». ووفق المعلومات المتوافرة لـ«السفير»، فإن قيادة الجيش أجرت تقييماً على صعيد المؤسسة العسكرية، وسلسلة مشاورات مع القيادات الأساسية في الموالاة والمعارضة، وأبلغت خلالها جميع المعنيين أن حيادها الإيجابي إزاء أي اشتباك سياسي لا يعني أنها ستسمح بالنيل من المؤسسات الشرعية، بل على العكس ستسعى لحماية كل المؤسسات وستحاول من خلال حيادها الايجابي الحيلولة بكل ما أوتيت من إمكانات من أجل منع الفتنة أو محاولة أخذ الأمور الى الفوضى. ووفق الإشارات التي تلقتها أكثر من جهة سياسية، فإن قيادة الجيش وضعت خطة أمنية لحماية كل المؤسسات خلال الفترة الممتدة من الآن وحتى تاريخ الرابع والعشرين من تشرين الثاني، آخر مهلة لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، كما رسمت سيناريوهات لكيفية التعامل مع واقع بلوغ الأمور حافة الفراغ الدستوري من زاوية حفظ وحدة المؤسسة العسكرية وعدم إقحامها في التجاذبات السياسية. ومن المتوقع أن يبدأ تنفيذ هذه الخطة التي تقضي باتخاذ تدابير أمنية مشددة يواكبها استنفار لكل الألوية والأفواج خاصة المتمركزة في نطاق بيروت الكبرى (من الدامور جنوباً وحتى نفق نهر الكلب شمالاً صعوداً نحو طريق الشام شرقاً)، على أن يتولى الجيش بشكل أساسي الأمن في هذه البقعة الجغرافية حيث سيتم توزيع المهام بالتنسيق مع باقي المؤسسات الأمنية. ومن المتوقع أن تتصاعد وتيرة الإجراءات والتدابير مع اقتراب العد العكسي لتاريخ الرابع والعشرين من الجاري.

مصادر
السفير (لبنان)