راهن الملك الأردني عبد الله الثاني على إقناع نظيره السعودي عبد الله بن عبد العزيز بحضور قمة دمشق. في الرياض، طلب عقد لقاء ثنائي مغلق مع خادم الحرمين، لكن طلبه رُفِض. وكان واضحاً أن ملك السعودية فقد قدرته على اتخاذ القرار، وأضحى أسير رجل الرياض القوي، الأمير بندر بن سلطان، حليف رئيس الاستخبارات متعب بن عبد العزيز. وينفّذ بندر بحماسة السياسة الأميركية القاضية بعزل سوريا، وكشفها أمام العدوان. بادر الملك الأردني مضيفيه السعوديَّين في اللقاء الرسمي بطرح ملفّ القمّة العربيّة في دمشق. أكّد أنه ليس وسيطاً للرئيس بشّار الأسد، لكنّه حريص على عدم انفراط النظام العربي في لحظة شديدة الخطورة من التحديات، وأمل مصالحة يراها ممكنة بين الرياض ودمشق. لكن الملك السعودي أشار بيده رافضاً، وقال: هذا الموضوع ليس مطروحاً للنقاش. في الأثناء، كانت فضائيّة «الجديد» اللبنانية تبث تقريراً يتحدّث عن «تآمر الملكين»، من دون أن تدري أنهما لم يتمكّنا من الجلوس معاً إلا تحت الرقابة. ولا تمثّل معرفة هذه الواقعة تجديداً للأوهام حول إمكان تفعيل النظام العربي، بل تؤكّد، على العكس، على طيّ صفحة هذا النظام. فالدينامو الباقي لهذا النظام، السعودية، وعلى رغم ثورة العوائد النفطية، لم يعد «مركزاً» مهتمّاً بالتسويات، بل أداة محلية وإقليمية لإدارة جورج بوش، تحفزّها وهابية مذهبية متطرّفة ومرعوبة من الصعود الشيعي في العراق ولبنان، تريد صدّه خارج الحدود، لئلّا ينفجر داخلها في صعود مماثل في الجزيرة، حيث الكتلة الشيعية العربية الثالثة الأهم. ويمكننا أن نتحدّث هنا عن الفساد الكبير للمسؤولين السعوديّين، وفي مقدّمهم الأمير بندر، المطارد في قضية عمولات صفقة اليمامة. لكن ذلك ليس سوى وجه واحد من وجوه الأزمة السعودية. فسياسات اللبرلة الاقتصادية ـ التي أدّت إلى نشر الفقر بين المواطنين السعوديّين العائشين على بحر نفطي ـ دخلت في تناقض بنيوي مع تحريم النشاط السياسي، وكبت الحريات، وتشديد سيطرة الرجعية الاجتماعية والثقافية إلى حدّ غير مسبوق، من مطاردة «الساحرات» إلى جلد أستاذ جامعي وسجنه لأنه تبادل بضع كلمات مع تلميذة، بينما يبقى للسعوديين إنشاء عصابات عنصرية تستهدف العمّال الأجانب، أو الخروج لـ«الجهاد» ضدّ «الروافض» في العراق، أو حتى تنفيذ تهديدات الأمير بندر للإنكليز بضربة إرهابية إذا لم يغلقوا ملفّ «صفقة اليمامة». والنظام السعودي المشغول بمواجهة «الصعود الشيعي» العربي، والخائف من التطوّرات الشعبية وإمكان نجاح المقاومات، أصبح ينظر إلى إسرائيل بوصفها حليفاً واقعياً، بينما هو مستعدّ للتفاهم مع إيران انطلاقاً من اهتمامها بالمحافظة على التواطؤ الواقعي بين واشنطن وطهران على كبح تحوّل الصعود الشيعي العراقي إلى حركة مقاومة وطنية، تعيد تأسيس الدولة العراقية واستقلالها ونهضتها، وكذلك، الإبقاء على التشيع مرتبطاً بالفرس دون العرب. وتتطابق هاتان السياستان مع المصالح الإيرانية تطابقاً كاملاً. ربما يكون الحديث عن النظام المصري في الصراع الإقليمي الدائر نافلاً. فقد تحوّل هذا النظام كلياً إلى سلطة طُفيليّة، منفصلة عن المجتمع المحلّي واحتياجاته التاريخية والراهنة. وهو مشغول تماماً بإعادة ترتيب صفوفه وتوريث الرئاسة وكبح الإسلاميّين، عن المبادرة إلى أيّ دور إقليمي خارج التعليمات الأميركية والرضى السعودي. هل يبقى إذن ما تأمله دمشق من «نجاح» القمّة العربية فيها؟ لقد أمّن السوريون حضور 12 زعيماً ومعظم الدول العربية، لكن السعودية ومصر لا تزالان ترفضان الحضور، من دون إذعان سوريا للمطالب الأميركية بالضغط على المعارضة اللبنانية للقبول بهزيمة شاملة، تنال المقاومة والتغيير معاً، الصعود الشيعي و«العامية» المسيحية، وتفتح الباب أمام التسنين السعودي ـ الأميركي للبنان، ولو في حرب أهلية يحفزّها أو يعضّدها عدوان إسرائيلي. بالخلاصة، سوريا ليست أمام تسوية موضعية للرئاسة اللبنانية، لكنها تواجه خيار كسر العظم: الاستسلام غير المشروط ـ مقابل «وعد» بإدراجها في مباحثات السلام الماراثونية، أو إسقاط النظام بالضغط والعزل والمحكمة الدولية أو حتى بالعدوان. ولا تبدو سوريا في وضع ملائم لمواجهة هذا الخيار. فإلى التأثير الكارثي للفساد المتعاظم في البلد، هناك السياسة العامّة للّبرلة الاقتصادية التي تضغط على الأغلبية السورية نحو الإفقار الشامل ومعاناة شظف العيش، بينما تزدهر الطبقة الجديدة التي تتوخّى تجنُّب المجابهة بأي ثمن. اللوحة الإقليمية مقروءة في عمان من عدة زوايا، تحدّد استجابات تسير على حبل مشدود. فما يشغل الأردنيّين بالدرجة الأولى هو التطوّرات الخطيرة على المسار الفلسطيني: 1ـ لجهة الانفصال السياسي بين الضفة الغربيّة وغزة. وهو ما يجعل خطر فرض كونفدرالية بين الأردن والضفة واقعياً. وفي الوقت نفسه، لا تريد عمان جاراً حمساوياً يقوّي الإسلاميين في الداخل الأردني. ولذلك، فعلى رغم الشكوك الأردنية في اتجاهات الرئاسة الفلسطينية نحو الإذعان للحلّ الأميركي ـ الإسرائيلي، فإنّ المسعى الأردني يظلّ أسيراً لمحاولة تصليب موقف رام الله، وتقديم الدعم لها، وحثّها على التنسيق معاً لتأمين حلّ لا يؤذي مصالح الطرفين، 2ـ ولجهة تبلور سياسة أميركية صريحة، أعلن عنها الرئيس جورج بوش أثناء زيارته الأخيرة للمنطقة، وندّدت بها عمّان، في التبنّي الكامل للحلّ الإسرائيلي الذي يقوم على «يهودية إسرائيل»، وشطب حق العودة، وتغيير الجغرافيا السياسية للضفة الغربية، بما يحوّلها إلى فسيفساء من الكانتونات، ويبقي الاحتلال الإسرائيلي في غور الأردن.سوريّون يشاركون في حملة شعبيّة لمكافحة سرطان الأطفال في دمشق (باسم تلاوي - أ ب) 3ـ لجهة التخلّي الفعلي للسعودية عن مبادرتها، المبادرة العربية، وتركيزها على أولوية المعركة مع الشيعة في لبنان والمنطقة. وإذا كانت عمان قد سايرت سابقاً هذا التوجّه السعودي ـ الأميركي، فلأنها ربطت، على سبيل المقايضة، بينه وبين حلّ معقول وعاجل للقضية الفلسطينية، يجنّب الأردن أخطار الوطن البديل. لكن ليس للأردن مصلحة في الانتحار السياسي الذاتي على الجبهتين. وقد أسهمت قدرة حزب الله على صد العدوان الإسرائيلي صيف عام 2006، في تطوير نظرة أردنية واقعية لموازين القوى في الإقليم. واليوم، فإنّ عمّان التي تعاني الفشل الذريع لمساعيها السلمية الحثيثة طوال السنتين الماضيتين، ستكون سعيدة إذا لقّن حزب الله الإسرائيليّين درساً جديداً يدفعهم إلى طاولة المفاوضات بشروط تلائم الفلسطينيين والأردنيين. لن يحضر الملك عبد الله الثاني، على الأرجح، قمة دمشق إذا لم يحضرها الملك السعودي. فعمّان ليست في وارد الخروج العلني من العباءة السعودية، وخصوصاً في ظلّ الأزمة الاقتصادية ـ الاجتماعية التي تعيشها البلاد تحت وطأة سياسات ليبرالية متوحّشة. لكنّ الوفد الأردني لن يقاطع القمّة. وقد أبلغ الملك رؤساء تحرير الصحف الأردنية الكبرى، في لقاء خاص، أنّ علاقته بالرئيس بشار الأسد متينة للغاية، وأنّ بينهما تفاهماً عميقاً على كلّ المسائل الثنائية والإقليمية، بما في ذلك اضطراره، أي الملك، إلى مسايرة الرياض، من دون المسّ بتحالفه الجديد، والمرشح للاستمرار، مع الرئيس السوري. عمّان ودمشق تحتاجان معاً إلى تحالف واقعي لتسيير العلاقات الثنائية المتعدّدة الأشكال بين البلدين، كما لمواجهة التهديد الإسرائيلي الذي يضغط على العاصمتين بتفكيك نهائي للكيان الفلسطيني ونقله إلى الأردن ـ ولو بالقوة كما كان يخطّط أرييل شارون حتى عام 2003، أو بالعدوان على لبنان وسوريا. يعني، بالمحصّلة، فإنّ الموقع الموضوعي للأردن ليس، كما يبدو، في الحلف السعودي، بل في المنتصف، وربّما مع ميل إلى المعسكر السوري. الملك عبد الله الثاني الذي يشعر بقوّة بالمأزق الأردني، يدرك أيضاً أنّ تعزيز العلاقة الأردنية ـ السورية أعطى عمان قدرة أكبر على المناورة. وعلى هذه الخلفية، تغدو زيارة الملك الأردني الحالية إلى واشنطن، زيارة مجابهة دبلوماسية أكثر منها زيارة حليف تقليدي. وهو سوف يبلّغ الرئيس بوش والمسؤولين الأميركيّين رفض الأردن الحازم لشطب حق العودة أو إحداث تغييرات جوهرية في الجغرافيا السياسية للضفة الغربية، والتأكيد على ضرورة تصحيح مسار العملية السلمية على المسار الفلسطيني، وتسريعها والسعي إلى إحياء العملية السلمية على المسار السوري بدلاً من المواجهة. وآمال الملك الحقيقية محدودة للغاية في نجاح زيارته، لكنه يشتري الوقت، ويقول للرئيس بوش الذي تجاهل زيارة عمّان في جولته الإقليمية الأخيرة، إنه لا يمكن تجاهل المصالح الأردنية في فلسطين، أو التوصّل إلى حلّ للقضية الفلسطينية، دائم أو مؤقّت، من دون موافقة الأردن، مثلما هو غير ممكن تجاهل المصالح السورية في لبنان، أو التوصّل إلى حلّ للقضية اللبنانية من دون موافقة سورية. ففي بلاد الشام، هناك دولتان مركزيتان: الدولة السورية ـ وامتدادها لبناني ـ والدولة الأردنية ـ وامتدادها فلسطيني. وقد تبادلت الدولتان أخيراً الاعتراف والتفاهم. وهو ما ستكون له آثاره العميقة في التطورات الإقليمية اللاحقة.