يشهد الدور المصري في المنطقة انحساراً كبيراً في تأثيره على مجمل ما تمر به المنطقة من أزمات ومشاكل. هذا الأمر أصبح ملاحظاً في هذه الأيام أكثر من أي وقت مضى, وهذا الانحسار كان مترافقاً مع تغير واضح في طبيعة الدور المصري فقد تحول دور مصر من دور فاعل نشط داعم لحركات التحرر والدفاع عن العالم العربي إلى دور الوسيط في حل النزاعات وأي وسيط الوسيط "المعتدل" المدافع عن مصالح أمريكا و"إسرائيل" والداعم لهما في حربهما على "الإرهاب". ولعل أكبر دليل على فقدان الدور المصري بوصلته ووجهته هو تغير طريقة تعامله مع القضية الفلسطينية, القضية المركزية في ما يسمى بالصراع العربي الإسرائيلي وهي أيضاً قضية العرب والمسلمين الأولى كما يدعون. وبعد التوقيع على ما يسمى بمعاهدة "السلام" المصرية الإسرائيلية ابتعدت مصر عن العالم العربي وقضاياه واكتفت بالانكفاء داخل حدودها لا تؤثر في شيء ولا تتدخل في شيء إلا من خلال الأجندة الأمريكية الإسرائيلية وحسب رؤيتهما فقط. ففي المسألة العراقية وقفت مصر مع أمريكا ضد العراق وشاركت في حصاره الذي طال لسنين طويلة وتبنت مصر الأجندة الأمريكية تجاه غزو العراق وسمحت للأساطيل الأمريكية بعبور قناة السويس وصمتت على العدوان وعلى قتل مليون عراقي أو أكثر ولم تحرك مصر ساكناً بل بررت ذلك، وكانت أول من اعترف بالحكومة العراقية المدعومة أمريكياً على أنها الممثل الشرعي للعراقيين .

وعلى الصعيد اللبناني ومع العقبات التي يواجهها اليوم النائب المكلف بتشكيل الحكومة اللبنانية سعد الحريري بعد خلافات حادة على توزيع الحقائب والأسماء واتهامات متبادلة بالتعطيل بين طرفي الموالاة والمعارضة اللبنانية، تعمل القاهرة بشكل جدي وتدفع باتجاه إعادة تكليف رئيس حكومة تصريف الأعمال فؤاد السنيورة رئيساً للحكومة اللبنانية المزمع تشكيلها، فالقيادة المصرية اليوم قلقة إزاء التطورات التي رافقت زيارة المبعوث السعودي الأمير عبد العزيز بن عبد الله إلى دمشق أواخر حزيران الماضي وما حملته من تغيير شبه جذري في مواقف سعد الحريري المكلف بتشكيل الحكومة تجاه سورية ورغبته في زيارتها بعد تشكيل حكومته، الأمر الذي جعل مصر تعمل وبكل طاقتها على إعادة السنيورة وهو الحليف الأمريكي الأول في لبنان إلى سدة رئاسة الوزراء. وفي الوقت الذي تحذر فيه القيادة المصرية من أي محاولات للتدخل في الشأن الداخلي اللبناني تعمل هي وبشكل حثيث على التدخل في هذا الشأن من خلال إعادة السنيورة مستغلة أزمة الحريري وعدم قدرته على تشكيل الحكومة فقد كشف الرئيس المصري حسني مبارك النقاب عن الاتصالات اليومية والمستمرة التي كانت ومازالت تتم مع القيادة والأطراف اللبنانية، وأكد في تصريحات صحفية يوم (19-8-2009) "أن مصر حريصة على حماية لبنان والحفاظ على سيادته واستقلاله" وقال: "إن وحدة اللبنانيين وتماسكهم وعدم فرقتهم تمثل ضرورة قصوى خلال الفترة القادمة". ومن جهته قال وزير الخارجية المصري أبو الغيط في تصريحات صحفية يوم الاثنين (3-8-2009): "إن القيادة المصرية تنظر إلى الشأن اللبناني على أنه شأن عربي وإقليمي أيضاً، ولمصر اهتمامها التاريخي وخصوصاً خلال العامين الماضيين بالأوضاع اللبنانية".

كل هذا يأتي تأكيداً على محاولات التدخل المصري المتسمرة في الشأن اللبناني لصالح حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية أو من يسمون بالـ"معتدلين" على حساب حرية لبنان وكرامته. أما على الصعيد الفلسطيني فالدور المصري انحسر حتى وصل إلى ما ظهر عليه غداة الحرب على غزّة فمن دور الوسيط بين "إسرائيل"، وفصائل المقاومة الفلسطينيّة إلى تقديم الورقة المصريّة لتثبيت وقف إطلاق النار والتي يبدو أنّها تآكلت ثم سَقوْط ملف المصالحة الفلسطينية... إلخ كل هذا يدل على الانحياز المصري الظاهر والمكشوف ضد الفلسطينيين في مسألة حل ما يسمى بالصراع العربي الإسرائيلي فالقيادة المصرية تتبنى الرؤية الإسرائيلية والأمريكية أيضاً في هذا الإطار. وربما يظن البعض أن مصر تنحاز ضد "حماس" ولكن هذه رؤية قصيرة المدى وغير صحيحة البتة فهي تنحاز ضد المقاومة بشكل عام حيث انحازت مصر ضد "فتح" عندما قامت انتفاضة الأقصى التي تم فيها تدمير مقرات السلطة الفلسطينية على يد "إسرائيل" وانتهى الأمر بياسر عرفات محاصراً حتى استشهاده, وأثناء هذه الفترة لم يتصل به الرئيس المصري أحد أهم رعاة "السلام" في المنطقة فضلاً عن زيارته، وظهر الدور المصري فقط من خلال إقامة جنازة عسكرية لعرفات. فعلت مصر ذلك لأن عرفات انتهج سبيل الدمج بين المقاومة والمفاوضات بعد أن أدرك أن المفاوضات وحدها لم ولن تسفر عن شيء واليوم الانحياز المصري ضد حماس غير مبرر كما يقر بذلك محللون مصريون مثل محمد حسنين هيكل وحسن نافعة وإن أنكرت مصر هذا الانحياز. ومنذ قيادة عمر سليمان للملف الفلسطيني على الصعيد المصري بعد الحسم العسكري في غزّة، و حتى وقف إطلاق النار في العدوان على غزة من طرف واحد وبناءً على طلب أمريكي، وإلى المفاوضات الأخيرة، فإنّ النظام المصري لم يقدم للقضية الفلسطينية إلاّ مبررات، و كلام لم يقنع به إلاّ إعلامه الرسمي، و الذي بدوره لم يستطع إلا ردّ الهجوم عن هذا النظام، و إيجاد المزيد من المبررات لمُدارات ما يقوم به هذا النظام من محاولات لخنق المقاومة في غزة، فرغم الصمت المصري المريب على ما يجري من حفريات وأنفاق تحت المسجد الأقصى وفي محيطه قام النظام المصري بتدمير مجموعة أخرى من الأنفاق تمثل شريان الحياة في غزة.

وعن ذلك يقول محمد حسنين هيكل: "أنا مستغرب بالفعل من موقف مصر تجاه أزمة غزة لأنه يؤثر على أمننا القومي ومستقبلنا وقدرتنا على التأثير في أي مكان، مصر تبدد حالياً قوتها الناعمة، وليس من حق أحد أن يتخذ من القرارات ما يضعف مصر التاريخية التي كانت دوماً تمتلك القوة الناعمة التي تستند لأوراق مؤثرة إقليمياً، وإذا لم تكن مصر قوة مؤثرة فإنها تكون مشكلة وعبئاً على العرب، وانتماء مصر العربي حتى من الناحية المادية البحتة هو ميزانية رابحة لها لأنها بحاجة للعرب وليس العكس...، والسياسة المصرية مع المعابر محيرة ولا يستطيع أحد فهمها فمن الغريب أن إسرائيل تدخل وقودها عن طريق المعابر في الوقت الذي تغلق فيه المعابر في وجه البضائع والمعونات إلى غزة، مصر تغلق المعبر لإرضاء أمريكا وإسرائيل، هذه شواهد على أن هناك تآكلاً في قوة مصر الناعمة وتراجعاً في فرض سياستها الخارجية"..

واليوم ومع غياب الدور المصري الرسمي الواضح من الأزمة العراقية السورية، ترك الباب مفتوحاً على مصراعيه، لتدخل دول إقليمية للمساعدة في حل هذه الأزمة فبعد إيران، دخلت تركيا.

وفي الوقت نفسه عملت الصحف المصرية الرسمية وشبه الرسمية على تأكيد الرواية العراقية للأزمة وركزت عليها بدءاً من صحيفة "الأهرام" الشبه الرسمية والتي نقلت اتهامات رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي لسوريا "بإيواء عناصر إرهابية مسؤولة عن التفجيرات الدامية في بغداد إضافة إلى عدم كبحها تسلل الإرهابيين عبر الأراضي السورية إلى العراق" وصولاً إلى تصريحات المستشار الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي ياسين مجيد في "الجمهورية" الشبه الرسمية أيضاً "من أن رئيس الوزراء نوري المالكي أطلع وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو على الأدلة والبراهين التي تثبت تورط جهاز المخابرات السوري في دعم الجماعات المسلحة التي تستهدف العراق مؤكداً إصرار العراق على الاستمرار في مساعيه لتشكيل محكمة دولية لمعاقبة المسؤولين عن تفجيرات الأربعاء الدامي".

وهكذا يمكن القول بأن دور مصر يتمثل وينحصر في إطار محاربة البرنامج المقاوم في المنطقة الذي يضر بمصالح إسرائيل وأمريكا والتي كرست مصر دورها لحماية هذه المصالح وهذا ما يدفع النظام المصري لشن حروبه في كل اتجاه، في محاولة لتمرير اتفاقية تنهي القضية الفلسطينية، وتفرض تنازلات هائلة على الشعب الفلسطيني، حتى يستعيد النظام المصري دوره ومكانته كراعي لعملية التسوية، ويؤمن وجوده في المنطقة، تأميناً لاستمراره في السلطة، بعد القضاء على محور المقاومة والممانعة. ولذلك يصعب على المرء أن يرى فرقاً واضحاً وجلياً للدور المصري عن الدور الأمريكي.