سها مصطفى

عرف السوريون في خضم الأزمة أشكالا جديدة من الإعلام التفاعلي، لعلها كانت الدعاية الأضخم محليا لأدوات الإعلام الجديدة، مع استكشاف السوريين الممنوع الذي كان مجهولا في وقت مضى، بدا من خلاله أن الأحداث السياسية مدخل دعائي جاهز للدعاية المجانية في صلب الحدث لكل من تويتر والفيس بوك والمدونات، ومقابل منظومة الإعلام السوري بأدواتها الرتيبة، برز الإعلام العربي والغربي بأدواته التفاعلية، عالم آخر الجهات الرسمية بتت متهيبة لكسره لوهلة، وفي لحظة أخرى فك الحجب بما يشبه السحر!

بما يشبه العدوى من أحداث مصر وتونس، كان هناك استخدام للتدوين ودورات للتدريب على التدوين، لعبت دورا في نقل والتشبيك والإبلاغ عما يحدث ميدانيا بنقله، ولعل العمل الأكبر كان عبر التويتر، الأخير ربما لم يتوجه نحو السوريون بقدر توجههم نحو الفيس بوك، ومؤخرا بات التويتر اقليميا ربما أكثر شهرة مع صفحة الحريري، التي لا يشرف عليها الحريري بقدر أحد موظفيه، لكنها كانت كافية لخلق حدث سياسي في لبنان أو إشغال الساحة السياسية التي تتلقف أي حدث..

حارس البوابة!

التدوين جعل إمكانية التواصل مع الناس مباشرة في الحدث من قراء أو مشاهدين أكبر عبر خدمة الفيديو، وخدمات أخرى وفرتها مدونات منها بعض برامج فك الحجب محليا وغيره، إضافة لسهولة إنشاء مدونة خلال ثوان ومجانا على مدونة ورد برس، إضافة إلى المدونات دخلت في ميدان تنظيم الحملات وإطلاقها ضمن أي نطاق ومجال، العالم الإعلامي باتت رقميا بامتياز وافتراضيا على شبكة تبتلع كل شيء، لكن اللافت في ظل أحداث ماوصف بالربيع العربي أن كل من الفيس بوك والتويتر والمدونة واليوتيوب، مرة أخرى تخرق قواعد الإعلام لجهة الدقة والمصداقية، فمصطلح حارس البوابة الكلاسيكي والتقليدي الذي يتم تدريسه في مناهج الإعلام، ينكسر تحت سطوة المعرفة والتكنولوجيا أمام كل من المدونات والتويتر والفس بوك واليوتيوب، إلا ربما لن يكون هناك وفق المعايير الجديدة سيكون حارس البوابة هو المدون نفسه والصحفي، بمعنى ما لاسلطة ولا رقابة ولم تعد تلك التراتبية الهرمية متوفرة كما هي الحال في المؤسسات الإعلامية، التي تقرر مايصلح للنشر وما لايصلح للنشر، في استخدام الصور وإنتاج مقاطع الفيديو للانترنت وتنظيم الحملات والتشبيك مع القراء وهي أسس الإعلام التفاعلي اليوم.

مع بداية الأزمة بدا أن السوريين لايفقهون شيئا من ثورة العالم الافتراضي، فيما كان نظرائهم في الخارج يستعملونها بطريقة الاعتياد وكأنها نوع من النيدو!

الصدمة!

مع اندلاع الأحداث دخلت سيدة سورية، إلى الانترنت بحثا عن رقم السفارة السورية في بلد غربي، وعندما كتبت كلمة السفارة السورية باللغة الفرنسية، صفحة غوغل قذفت بوجهها عشرات الصفحات بعناوين عن مظاهرات حول السفارات السورية، السيدة تقول"فوجئت بكم المعلومات المغلوطة والدعاية المضادة التي انفلشت على غوغل وتربعت على عرشه بكم هائل ومتواتر!

إلا أن السيدة سرعان ما انخرطت بمجموعات سورية منظمة على الانترنت تنقل وتعرض لكل المعلومات الواردة من دمشق بلا تهويل أو تجميل، في دعاية مضادة بامتياز، امتلك السوريون في المغترب مفاتيحها في ما يتعلق باليوتيوب الأكثر استخداما على النقيض من الفيس بوك، وتقول"أقوم بتصوير مختلف المسيرات في الخارج والتي نظمنا عددا منها، وأقوم بتقطيعها "المسيرة على فرض استمرت ثلاث ساعات إلى 150 مقطع فيديو، وأقوم بتزيلها دفعة واحدة على الانترنت وهو مايساعدني فيه سرعة الشبكة في الخارج على النقيض من الوضع محليا"، إلا أن السيدة التي تتحفظ عن ذكر إسمها لم يقتصر عملها على ذلك، بقدر مقدرتها على إغلاق القنوات المضللة على اليوتيوب بطريقة بسيطة عبر "تقييد الفيديو ومهاجمة القناة ضمن إطار زمني معين، يقوم على فرز الفيديوهات والكذب والدجل فيها" تارة تقوم بالعمل لوحدها وأخرى في عمل مجموعات تبلغ عن الروابط وتستهدف القناة.

تقول السيدة "في البداية أي فيديو سيصدمك بمشاهد الدم، معتمدا على حساسية المتلقي، مايجعلك تأخذ مواقف مباشرة دون تدقيق، لكنه فعليا وعند التدقيق مضحك، فلا يعقل أن شخص مقطوعة رقبته ويمتلىء بالدماء يتحدث ويتهم الأمن السوري بقتله! في البداية كانت الفيديوهات ترعبنا لكنها عند التدقيق بها تتحول لفيلم كوميدي".

الاستهداف

غيفار سليمان "خبير انترنت- موقع أمن المعلومات" ولعله أيضا من مشاهير "الشبيحة" أمام استهدافه عدة مرات ونشر اسمه وصورته والتهديد بقتله، رغم أن الشاب فعليا وبكل تواضع خبير انترنت والأكثر أمن الانترنت بشكل أكثر تحديدا، ومن "سوابقه الصحفية" اختراق شبكات الـ"واير ليس" خلال جولة بسيطة له في عدد من الأحياء فيما يقود أحد أصدقاءه سيارة ويترصد غيفار بالشبكات!

غيفار يبين لسوريا الغد أن التدوين لم يكن معروفا قبل الأزمة في سوريا، ولعل الاستخدام الأقوى كان لليوتيوب لكونه سمعي بصري، أما عن التدوين يقول"كثير من الشبان لم يكونوا يعرفون ماهية التدوين وكيفية عمل مدونة مجانية في ثوان تكتبي خلالها ماشئت"، إلا أنه يضيف"ليس هناك من صدف في سورية، كانوا يحاولون أخذ شباب وتعليمهم وتدريبهم الشباب لم يعرفوا مالسبب، لأن لاشيء مجاني هل سأل أحدهم يوما لماذا"؟ يجيب عن ذلك غيفار بما حدث معه، يقول"منذ ثلاثة أعوام، أحد الأشخاص حاول أخذي للعمل في كندا، في البداية ظننت أنها بداية عمل ضمن شركة جدا معروفة، وافقت خلال الفترة الأولى، ولكن نبهني شخص من هذه الدعوة وقدم لي إحداثيات كاملة حول الشخص الذي دعاني، الذي تبين أن مجال عمله هو استقطاب العقول، وإن كان هناك خبرات يتم تطويرها لصالح مايجري الآن، بعد الأحداث كل شخص ذهب معه ماذا يفعل الآن في كندا؟ كل منهم يشارك بغرفة عمليات، علما أن كل منهم كانوا سابقا صفر في أمن المعلومات، واليوم باتوا خبراء تعلموا كل شيء تقريبا".

سليمان وحيال آلية عمل السوريين على الانترنت يبين "عدم رضاه"، ويقول"من أخطاء الجيش الالكتروني السوري بداية تسجيل الاعجاب بالصفحة للتبليغ عنها، لان هذا يرفع من انقرائيتها ويصعب الإبلاغ عنها، ومن جهة أخرى لا يعقل ان تخترق صفحة شخص ما أجنبي لا علاقة له بالسياسة وتضع صورة الرئيس، لأنك في هذه الحالة ستجعله يكره هذا الرئيس بسبب جمهوره البائس هذا، الأهم أن الاختراعات توالت وبتنا نسمع بشيء مسخرة يدعى فرقة تفجير الإيميلات"!

يضيف" لوسمع بالاصطلاح الأخير شخص غربي لضحك كثيرا، لأن الايميل مثلا على الهوت ميل يمتلك سعة 10 غيغا، ومن عام 1999 الهوت ميل عندما تأتي إيميلات كثيرة تضعها في الايميلات المزعجة، الأكثر سخرية هو محاولة قرصنة موقع الجزيرة ببرنامج حجمه 10 كيلو بايت من عام 2001، البرنامج يستهلك الكثير من الانترنت والذواكر على حاسبك، لذلك لن يفتح الموقع، وإنما يقطع الاتصال ويضرب الجهاز ويطير الحساب والايميل، عدا عن الجدار الناري على موقع الجزيرة سيحجب اتصالك"!

غيفار للمفارقة لم يتم تقبل نصائحه في البداية للجيش السوري الالكتروني لا بل نعت بالـ"عميل"!، فيما كان لسومر حاتم طالب قسم الإعلام ومؤسس "موقع الشارع السوري" نصيبا في إطلاق موقعه الإلكتروني وتحويله دفعة واحدة نحو عالم السياسة من أوسع أبوابها! يقول سومر لسوريا الغد"بدأنا مع تداعيات ما وصف بـ"قضية طل الملوحي"، التي أوقفت لتورطها في عمل تجسس، وأطلقنا الموقع في مطلع الأزمة الذي لم يكن مخططا له أن يكون سياسيا، لكنا وفي وقت سابق كنا نكتب بجرأة ولم يتعرض لنا أحد، ولنقل لم يكن هناك تضييق على الحريات وإنما كان هناك حد معقول برأيي، ومن تعرض للتضييق هم أشخاص كتبوا ضمن خلفيات معينة". يضيف"برأيي الحملة لم تتم فقط من جانب الشبكة الافتراضية وما أتاحته من بدائل بفضاء مفتوح بلا سلطة أورقابة، كان هناك عدة وسائل لاختراق الواقع والمجتمع السوري كما شاهدنا خلال حملة الشهود العيان، فلم يكن كل شيء من قبيل الصدفة"!

إلا أن حاتم يضيف"لكننا محليا كان لدينا أخطاء، وأرغب بأن أسأل المسؤولين عن حجب المواقع والتضييق، كيف تترك المواقع الإباحية وتحجب مواقع أخرى لا يمكننا الدخول لها كموقع إحدى الصحف مثلا؟ هذا خطأ تلك الثقة بين السلطة والمواطن بخاصة الشباب كانت مفقودة، ولم يكن أحد على مايبدو يتوقع كل هذا الوعي.... من الشباب"!