هكذا عرّف نفسه وقدمها لي. وبرغم أنه يعيش في فرنسا إلا أنه لم يذكر اسمه في “إيميله” لي، وكأن المخابرات ستنال منه وهو في فرنسا. ولا يهم ما إذا كانت كتاباتي تفرحه أو تغضبه أو تخجله كما حدد هو ذاته القيمة التي خلفها عنده مقالان لي هما “ماذا عن الخيار الثالث” “البعث مفرخة للشعارات وفقط” ولا أدري ماذا يريد هذا الأخ الفرنسي من أصل سوري، ولكن ما استطعت أن أفهمه هو أنني يجب أن أكون في كتاباتي حادّاً دائماً، فيرتاح ضميره. ولو كان سأل نفسه السؤال التالي ماذا كان سيفعل لو وُجد في سوريا؟ وماذا كان سيفعل لو عاش في مدينة مثل الرقة مرّ عليها في العقدين الأخيرين من القرن العشرين رجل يدعى “عزيز” كان مسؤولاً عن مفرزة الأمن العسكري في الرقة، وماذا كان سيفعل لو علم أن هذا الرجل المفرد قد أطاح بمدينة بحالها، ليس بشجاعته أو بقدرته وإنما برعونة المرحلة التي مر بها البلد وبخاصة بعد الأحداث المأساوية التي مرّ بها القطر في بداية الثمانينيات، وهي من مكّنته من التسلط ومن بسط جناحيه بطريقة متوحشة. وماذا كان سيفعل لو قُدِّرَ له أن يوجد في سوريا وما هي يا ترى ردة فعله إذا لم يستطب طعم الإحضار، وبشكل شبه يومي ولسنوات إلى مفرزة تثير الرعب. وماذا سيفعل لو ناله ما نال المساجين السياسيين، وما ذاقوه من الويلات على يد سجّان كافر لا يرحم؟ هل كان سيكتب ما كتب لي في رسالته “العصماء” أم تراه سيختفي من الساحة وإلى أمد غير معلوم من الزمن؟ نحن نكتب ما نكتب وفق استطاعتنا ومن بلدنا، ربما مع بعض الخوف، ونكتب ما نكتب وفق رؤيةٍ مهما كانت بسيطة ومتواضعة إلا أننا نكتب من الداخل السوري لا من خارجه، ونقول بالفم الملآن لا للطوارئ ولا للمحاكم الاستثنائية ولا لتغييب الحريات ولا، ولا. هذا هو رأينا لا تبديل له مهما حدث، وأكرر نحن نعيش في سوريا ومن داخلها نكتب لا من خارجها، ونكتب من دون أن نباري أحداً ونقول إن لكل فرد منا ظرفه وما يمليه عليه، وإن كلاً منا يكتب وفق ما يراه متاحاً من الهامش. ولست هنا أرد على الأخ المواطن الفرنسي من أصل سوري، فهو من غيرته على البلد كتب ما كتب، ولكنه كان يجب أن يفهم أنه خارج سوريا، وفي بلاد تتمتع بقسط وافر من حرية الرأي والتعبير، وليس في بلاد الأيديولوجية البعثية التي قتلت كل الأحلام وكل الطموحات. ومن هنا أملك في سياق الحديث عن الحريات وبلادها أن أعلن دهشتي التي أطلقتها يوماً ما، إذ رأيت على شاشة فضائية الجزيرة صورة لشاب أذهلني حقاً أن أقدر عمره دون الثلاثين. وقد كنت أظن أيامها أنه فوق الخامسة والخمسين. وعندما تحدث هذا الشاب الذي يدعى عبيدة نحاس، وأنا لا أعرفه بالطبع ولم نلتق يوماً، فاجأني بلغته النظيفة السليمة وبأفكاره المرتبة. ودهشت مرة أخرى وأنا أراه منذ زمن قريب على فضائية العربية يتحدث بالطلاقة ذاتها من غير تلجلج. عبيدة نحاس هذا ظننت يوماً أنه تجاوز الخامسة والخمسين من خلال ما قرأت له على الانترنيت من مقالات، ومن آراء ينشرها على موقع أخبار الشرق وغيره. ولأنني لا أريد أن أتعب دماغي قلت إن هذا الشاب مجتهد ولا ريب. ولكن فوق هذا الاجتهاد يوجد مناخ ديمقراطي يتنفسه، ويكتب وهو بين ظهرانيه، ولا يعيش معنا في بلاد سقيمة حلّت عليها لعنة الأيديولوجية، وعللتُ النفس أن بعض حظه من النجاح عائد إلى هذا المناخ، وأن تلجلجنا عائد بدوره إلى المحظورات الكثيرة كثرة هائلة في بلادنا، والتي منعت عنا تنفس الهواء الصافي الجميل، ومنعت عن الناس التعبير بحرية طوال أربعين سنة من الزمن كان الجحيم أرحم منها. وعليه فالأخ المواطن الفرنسي من أصل سوري، لم يتريث وتعجّل في حكمه، ونالني من سخطه بعض ما نالني، وأنا من هنا أحييه لأن الغيرة على البلد خاصية سورية تشفع له عندي برغم الخجل الذي سببه له بعض مقالاتي. ويلاحظ هنا أن السوري في الداخل في هذه الأيام كثير الانفعال، وربما أحياناً إلى حدّ الشطط. والسبب في هذا بسيط فهو لم يتمكن عبر الأربعين عاماً الأخيرة من التعبير عن ذاته بحرية فليس غريباً عليه إن انفعل وهو يتحدث، ولا إن تلجلج، أو تبعثرت أفكاره، فهو قلق خائف زمناً طويلاً، وفجأة تمكن من هامش ضئيل، ومن خيط نور تسلل إليه وعساه عبره يطيح بالغلس والعسس. ولعلي هنا في هذا المقال لا أخالف ما ذهب إليه أبو تمام وطول مُقام المرء في الحي مُخلِقٌ لديباجتيه فاغترب تتجدد مرة أخرى أحيي الأخ الفرنسي من أصل سوري، وأحيي كذلك الأخ عبيدة نحاس.

مصادر
إيلاف (المملكة المتحدة)