كانت العملية التي نفذها الارهابي عيدان ناتان زادة (تسوبيري) من مستوطنة تفواح قرب نابلس في مدينة شفاعمرو الجليلية عملية انتحارية لان الجاني كان يعرف انه لن يعود منها حيا، هذا إذا لم يكن عنصريا الى درجة الجنون بحيث يقوده جنونه الى الاعتقاد ان العرب سيهربون عند سماعهم الطلقات بحيث يفسحون له مجال الهرب بعد قتل اكبر عدد منهم. ولكننا نرجح انه مثل سلفه باروخ جولدشطاين قدر انه لن يعود حيا من عمليته الشمشونية ضد الفلسطينيين. دخل الطبيب المستوطن باروخ جولدشطاين الى تاريخ المستوطنين تحت مصطلح <<باروخ هجيفر>>، اي <<باروخ الرجل>> بالضبط لانه لم يخش الموت، ولأنه قرر ان يتكلم مع العرب <<باللغة التي يفهمونها>>. واقاموا له ضريحا في قريات اربع قرب الخليل. وبدل ان تكون نتيجة عمليته غير المسبوقة في حصد الراكعين سجودا للصلاة في مسجد، تفريغ الخليل من المستوطنين، قامت اسرائيل بتقسيم المسجد في الحرم الابراهيمي الشريف، وايام الصلاة فيه الى كنيس ومسجد، فكيف لا يحتفل غلاة المستوطنين بباروخ جولدشطاين، الطبيب، وانجازه.

على كل حال عندما نقدر نمو وحش عنصري في مستنقع المستوطنات لا بد ان يتمدد مثل الخلايا السرطانية نحو الداخل كما حصل مع اغتيال رئيس حكومة اسرائيل واحد ابطال العسكرتارية الاسرائيلية في النكبة وحرب 67، ويوم الرابع من آب في شفاعمرو، فإننا نحلل تحليلا اجتماعيا سياسيا مؤسسا على منطق وقرائن.

ولكن نظرية المؤامرة تأتي من مكان آخر، من كبار المعلقين السياسييين الاسرائيليين في الصحافة العبرية المنتشرة. هؤلاء لا يقدرون مثلا ان الارهابي نفذ مؤامرة عربية، ولا يقدرون انه رجل شاباك، بل يقدرون مثلنا انه مهووس وعنصري، ولكنهم يقدرون أيضا ان تهاون الشاباك الاسرائيلي في وضع اليد عليه قد يكون <<مهنيا>> ول<<اسباب مهنية>>، اي أنه تهاون مقصود، بمعنى توريط المستوطنين واليمين الاسرائيلي. انهم لا يفترضون ان اليمين هو انتاج مخابراتي، ولكنهم يجرؤون على الافتراض ان التساهل بالامساك به هو تساهل مريب قد يدل على عدم رغبة بالامساك به لاسباب مختلفة منها اسباب سياسية.

خذ مثلا على ذلك المعلق السياسي الكس فيشمان، (يديعوت احرونوت 5 آب)، <<هذه فضيحة، منذ اشهر يحذروننا من عملية ارهابية... العملية في شفاعمرو عملية منفردة. ولكن عيدان ناتان زادة هو ظاهرة. هنالك العشرات بل المئات من أمثاله، وفي فترة التحريض، فترة فك الارتباط ينضج قتلة مثله. لن تذهب غالبيتهم لقتل العرب بما هم عرب ولكن لكل زادة هنالك فتيل خاص به، ولا احد يعلم متى يشتعل، لا وجود لروادع عند مثل هؤلاء الناس، اقنعوا انفسهم أنهم في حالة فداء من التضحية بالنفس... لقد عرف الشاباك ان الرجل يختلط مع رجال كهانا، ولكن الجيش لم يتسلم تقريرا بذلك. اين كان الشاباك؟ يتجول رجل مهووس قضى الأشهر الأربعة الاولى من خدمته فارا او في السجن العسكري... يدرس في يشيفا، مدرسة دينية، في تفواح يتصل مع رجال كهانا ويتجول في مستوطنات غوش قطيف مع سلاح من الجيش. كيف لا تتم ملاحقته والبحث عنه بشكل جدي؟ لماذا لا تتم حتلنة الشرطة او ادخالها في الصورة؟>> ويختم بهذا التساؤل:<<ماذا كان دور الشاباك فعلا في هذه القصة؟ هل كان لدى الشاباك دوافع مهنية خفية لكي لا يمسك بالرجل؟>>. هكذا تساءل فيشمان. ولم يختلف عنه عاموس هرئيل في هآرتس كثيرا. ولكنه اضاف أن <<ردود فعل اليمين المتطرف في مواقع الانترنت تراوحت بين الاسف على قتل الجندي وبين ادعاءات حول استفزاز جديد قام به الشاباك>>. ولكن ادعاءات اليمين حول تورط الشاباك مختلفة مناقضة في دوافعها لما نقول، او لما يقوله المعلقون الاسرائيليون.

أربعة اسباب تدعو المواطنين العرب في الداخل للقلق إزاء العملية الارهابية التي نفذت بحقهم. ونقول بحقهم لأن الجاني لم يقصد الشهداء العينيين وانما قصد ان يقتل عربا لكونهم عرب، عندما فرّغ ذخيرته بركاب الحافلة حالما وصلت مدينة عربية.

أولا طبعا: وصول قائمة اهداف الارهابيين اليهود الى قرى ومدن عربية في الداخل هي جزء من الشعب العربي الفلسطيني في وعيها الذاتي ايضا. قد يعتقد قسم من سكانها مثل كل الناس العاديين انهم خارج السياسة والاحداث، وان التورط في السياسة مصيبة، وأن عليهم الاهتمام بقضاياهم المدنية والحياتية، فجاءهم الارهاب الوحشي من مستوطنة حسبوها بعيدة عنهم مستوطنة قريبة من نابلس، فثبت انه ما يقع قرب نابلس يقرب من الجليل، ونحن ندعي انه يقرب أيضا من لبنان وسوريا وغيرها.

وثانيا: ان المجتمع الاسرائيلي تعامل مع الموضوع بخفة، واحتاج الامر الى ساعات طويلة لكي يبث في وسائل الإعلام ان الحديث هو عن عملية مقصودة وليس <<نزاع في باص>> (؟؟) كما ادعوا ساعات طويلة، ووصل الحد ببعض وسائل الإعلام للحديث عن <<نزاع عربي طائفي>> داخل الحافلة!! حتى داخل حافلة!! تشكل هذه المصطلحات ايضا مناسبة للعرب بالتفكير حول ما يتمنى لهم خصومهم وما يمنون النفس به.

ولكن المقلق انه حتى بعد انكشاف كافة تفاصيل الفاعل وتفاصيل فعلته وضعت هآرتس عنوانها الرئيسي في صباح اليوم التالي: جندي يقتل اربعة... لا عملية، ولا ارهاب، ولا يحزنون. وهآرتس ليست صحيفة يوضع عنوانها الرئيسي بعد حدث كهذا صدفة ودون بحث مستفيض.

وثالثا: ان العلمية تمت اثناء تدليل المستوطنين وتفهم آلامهم عند فك الارتباط. عشرات آلاف الشرطيون الجنود انشغلوا في منعهم من دخول القطاع عندما نفذ الارهابي عمليته. تستطيع اسرائيل اذا شاءت ان تطلق النار على متظاهرين عرب وترديهم مستخدمة سيارة جيب واحدة او سيارتي شرطة وبنادق ضد الف متظاهر او اكثر. ولكن شرطة اسرائيل في حالة المتظاهرين من اليمين تضع شرطيين في خدمة كل متظاهر ليستطيعوا حمله لكي لا يستخدم حتى الغاز المسيل للدموع، فدموع الجنود تسيل على المستوطنين دون هذه الواسطة. وعلى العالم ان يعرف انه اذا كان هذا رد فعل المستوطنين على سحب مستوطنات لا احد يصدق امكانية استمرارها في الحياة في غزة، فما بالك بالحدبث عن تنازلات في الضفة. على العالم ان يعرف ان اسرائيل لا تستطيع ان تدخل مثل هذه الهزات الاجتماعية كل سنة او سنتين. ولذلك فإن فك الارتباط هو فعل لمرة واحدة. لقد كان تصريح شارون في باريس احد اهم اعلانات النوايا حول فك الارتباط وحول احتجاج المستوطنين عليه: <<في هذه الايام بات العالم يعرف ما نقصده عندما نقول تنازلات مؤلمة>>!!

ورابعا: ان لدينا الف سبب للاعتقاد بل لليقين ان الجيش الاسرائيلي مخترق تماما من عصابات يمينية متطرفة، وتنظيمات سرية وعنصريين ومهووسين من كافة الالوان. الجيش الاسرائيلي ليس ملاكا دونهم، فهو والسياسة التي ينفذها هي المشكلة الكبرى التي تسمى قمع واحتلال وثقافة عسكرية وكذب في التقارير عندما يتعلق الامر بقتل العرب. فهو الارهابي الاول في المناطق المحتلة عام 67. ولكن عندما يتعلق الامر بولوج الارهاب اليهودي داخل الخط الاخضر فان وجود عصابات يمينة متطرفة في داخله قد تغير قواعد اللعبة تماما. فان اسرائيل هي من الدول القليلة في العالم، وربما الوحيدة في العالم، التي يتجول فيها الجنود خارج اطار الخدمة واداء الوظيفة في كل مكان من حافلة الباص الى المطعم الى العيادة بأسلحتهم الشخصية كانها ملابس عادية. وكيف يقدر المرء هل سيفتح هذا الجندي النار ام لا؟ سبب للتفكير ليس فقط لدى المواطنين العرب.

خامسا: بعد ان انهيت كتابة هذه المقالة اضيف سبب خامس للقلق وهو ان الجيش الاسرائيلي قد قرر ان يشيع الارهابي القاتل في جنازة عسكرية. ولا ندري اذا كانت ستضاف اسباب اخرى حتى نشر هذا المقال.

مصادر
السفير (لبنان)