الآن، بعد فك الارتباط عن قطاع غزة، يقف العالم منتظراً، الكل يعرف أنه ليس مفترضاً بهذا الانسحاب أن يجلب السلام. فهو مجرد إشارة لما سيأتي. لكن ما الذي سيأتي؟ بما أنني غير قادر على التنبؤ، وبما أن ملامح وجه شارون الغامضة لا تساعدني في ذلك، لم يتبق أمامي سوى التذكير سريعاً بالأمور المنسية.

الزعيم الأول الذي قرر ـ بألم شديد لكن بحزم ـ اقتلاع مستوطنات يهودية من أجل التوصل الى سلام كان رئيس الليكود مناحيم بيغن. فهو لم يوافق على الانسحاب من سيناء فحسب ـ رغم أنه وعد سابقاً بإنهاء حياته فيها ـ بل انه فعل ذلك في ظل مفاوضات جريئة مع عدو وفي ظل تنازل اقليمي حتى آخر حبة تراب. وعلى الرغم من التمسك بالمستوطنات ولاحقاً بطابا. اضطرت اسرائيل للعودة حتى حدود 1967 التي تحولت في نظر المصريين الى اشارة ورمز لمجال سيادتهم. وهكذا حصل منذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين: يمكن احتلال أراض. يمكن تفكيك دولة، لكن لا يمكن تحريك الحدود متراً واحداً. ثمة نموذج ثان للانسحاب موجود في مشروع إيهود باراك، زعيم حزب العمل السابق، صحيح أن باراك أجرى في شيفردستاون مفاوضات مع عدو، لكنه فضل إفشال هذه المفاوضات بغية عدم العودة الى حدود 67 ولم تكن الضمانات الأمنية العائق بل قطعة أرض ضيقة على ضفاف بحيرة طبريا. وبغية عدم التوصل الى سلام جريء مع السوريين وبغية عدم النزول عن هضبة الجولان، قرر باراك الانسحاب من لبنان من طرف واحد ومن دون مفاوضات. لماذا لا يفعل ذلك؟ فعندما يطلق العدو النار لا يجب التوصل الى تسويات معه، وعندما يكون ضعيفاً ويقترح السلام ممنوع طبعاً الموافقة معه.

هذان النموذجان التاريخيان يقفان اليوم أمام شارون: نموذج بيغن الليكودي أم نموذج باراك المابايي. فهل ان خصوم شارون في مركز الليكود محقون في ادعائهم أنه بقي "رجل يسار" في روحه؟ هل أن شارون انسحب من غزة فقط من أجل مواصلة الاحتفاظ بأي ثمن بأجزاء واسعة من الضفة الغربية؟ أم بسبب الضغط الدولي، التهديد الديموغرافي؟ وهل أن فايسغلاس محق، وهل أن رسالة الطيارين واتفاق جينيف هما من جملة الأمور التي دفعت شارون للهروب الى الأمام؟ فهو لم ينفذ الانسحاب في ظل مفاوضات مع الفلسطينيين ـ فسلفه قال له علانية انه لا يوجد شريك للسلام ـ بل في ظل تجاهلهم. في هذه الأثناء يبدو أن مبادرة الانسحاب من غزة جاءت فقط من أجل تأجيل النهاية، لكسب المزيد من الوقت ومواصلة التخبط في مستنقع الدماء لسنوات عديدة أخرى. وكل ذلك بغية عدم التنازل على دونمات إضافية.

"دونم آخر، عنزة إضافية" هو الشعار الذي كان أساس أسطورة مشروع الاستيطان الذي قاده اليسار الصهيوني، فقادته اعتبروا دائماً أن النزاع لا يحصل عبر فوهة البندقية. بل أيضاً عبر الفسحة ما بين الفلاحين والطيانين. وعلى الرغم من خطابهم وتطلعهم نحو السلام، إلا أن أحداً من قادة اليسار لم يتنازل حتى الآن عن قطعة أرض (باستثناء ربما بن غوريون 1956) ولم يزل مستوطنة واحدة. وحتى اسحاق رابين، الذي قام بالخطوة الشجاعة الأولى، اعترف بالكيان الفلسطيني وبممثليه ودفع حياته ثمناً لذلك، لم يجرؤ في اللحظة التاريخية الحاسمة على اخراج المستوطنين من الخليل، بعد المجزرة الذي نفذها غولدشتاين.

الى أين يسير شارون؟ هل يتعين التوقف عن الخشية منه؟ هل سيتحول الى رابين أكثر جرأة؟ هل سيكون بمثابة ديغول اسرائيلي؟ هل سيدخل توأم غولدا وباراك؟ هل سيقرر الجلوس مع الفلسطينيين على أساس المساواة والاحترام المتبادل من أجل تكرار السابقة التي حددها بيغن؛ كل الأرض مقابل كل السلام؟ أم أنه لن يكون في نهاية المطاف من يضع حداً لحرب المائة عام الأخيرة في العصر الحديث؟ تجدر الاشارة الى أن الفلسطينيين سهلوا عليه المهمة ووافقوا في اتفاق جنيف على تبادل الأراضي. ففي أيام بيغن لم يقف خلف اتفاق السلام اعتراف الجامعة العربية بحق الوجود السيادي لدولة اسرائيل. لكن الحقيقة هي أنه تقف أمامه مهمة أصعب. فقضية القدس التي لم ينجح باراك كعادته في حلها، هي أهم المسائل في حياته. فكل خبير أو مقرب من النزاع يعرف أنه ما من زعيم فلسطيني قادر في الوقت ذاته على الدخول في تسوية على حق العودة أو على السيادة على القدس العربية. فتدويل القدس أو تقسيم السيادة (مع شراكة على المستوى البلدي) هي الخطط التي يمكن فقط لزعيم قومي كبير تطبيقها.

إذا لم يفك شارون الارتباط عن الأقصى فسيفعل ذلك على ما يبدو زعيم آخر في وقت آخر. لكن في هذه الأثناء سيتواصل تدفق الدماء، وإغراق الشعبين المعذبين.

مصادر
هآرتس (الدولة العبرية)