كانت السماء قد أرسلت إشارات واضحة و صريحة على بدء الطوفان الكبير، و أكثر من ذلك، كانت قد أفْشَتْ سرَّاً من أسرارها كي نفهم أن الطوفان يتجه نحونا، لكننا- و للأسف- كنا مخدوعين بِ الزورق الثوري الذي يجوب آفاق المستنقعات و يمخر عباب البُرَك الاصطناعية، الزورق الذي كان أصحابه يصوِّرونه لنا بِ الفلْك الجبَّار، و حتى المهرِّجين من أصحاب الشهادات و المبدعين العباقرة ( فلْتات زمانهم ) نظَّموا معلَّقات تمجِّد الزورق الخشبي، و كتبوا موسوعات فلسفية حول عظَمَته، و أناشيد رصاصية تستهتر بِ الآتي، و تستخفُّ بِ الطاقات الكامنة في دوَّامات الأعاصير المرافقة لِ موكب الطوفان العالمي الآتي نحونا.

نحن الآن في محرق المجهر الكوني، و معنا بِ التأكيد إمبراطورية الملالي الفارسية التي خرجت من تحت أنقاض الخِيَم و عجاج الصحراء( اللاهبة اللهلوبة الملتهبة الملهوبة اللهلابة ) في الزمن الخطأ، و التي راحت كَ كلِّ المهزومين أمام الحضارة و القيم الإنسانية، تلقي محاضرات و خطابات و روزنامات في الديمقراطية و حقوق الإنسان و العدالة و المساواة، و اتهام العالم المتحضِّر، المتمدِّن، الديمقراطي، بِ العنصرية و الديكتاتورية و الرجعية....إلخ!!! و السبب في ذلك طبعاً هو، لأنهم لم و لن يسمحوا لها بامتلاك السلاح النووي، و بالطبع هم ( ملالي النظام الفارسي ) لا يعترفون بِ القِيَم الغربية من ديمقراطية و حقوق الإنسان، وصولا إلى حقِّ المرأة في الدخول في الصفِّ البشري، أي اعتبارها إنسان مثلها مثل الذكر، و حق و حرية الإنسان في الرأي و الكلمةو المعتقد و الدين...إلخ، إنهم لا يرون و لا يحسُّون بِ العنصرية و الفاشية و الحقد و المكر و الخداع الذي يجلد البشر في امبراطوريتهم، و الامبراطوريات الرملية المتناثرة حولها.

إننا نشبه بعضنا بعضا، نحن ( النظام السوري ) و هم الأنظمة المتهالكة التي تلفظ أنفاسها الأخيرة مسبِّبة معها فوضى و دمار بحجم ثقافتها المدمِّرة الآيلة لِ الزوال و الرحيل إلى عالم البرودة و السكون، إلى بلاد اللاعودة.

نشبه بعضنا لأن آلية عمل الدماغ لدينا هي نفسها، لأن الأدوات و الوسائل البحثية و المعرفية هي ذاتها، علماً بِ أننا لم نكن كذلك على طول الخط من تاريخنا، فكانت هناك لحظات كونية مَرَرْنا فيها بالمجتمع المدني، التعدُّدي، و كان بالإمكان أن نستمر في ذاك الطريق، و أن نكون من المنارات المشعّة في هذا الشرق الساحر لو لم نُبْتَلى بالنظريات الوهمية الخرافية العنصرية و الفاشية في جوهرها، هذه النظريات هي التي أدخلتنا في حالة عِداء و صراع دائمين مع الآخر، هي التي أوهمتنا- أوَّلاً- بأننا أمة واحدة من الماء إلى الماء، و طبعا عربية، و أوهمتنا - ثانيا- بأن الآخر ( الغرب الكافر...إلخ ) هو الذي قسَّم الأمة العربية الواحدة، و لقد ابتلعت شعوب هذه الأوطان الطُّعْمَ، و راحت تزعق و تنعق و تنفجر و تحرق و تنتحر و تفجِّر، كي تعيد لصق الكريستال العثماني الفاشي المتناثر، ناسين و متناسين عن سبْقِ الإصرار و الترصُّد الانتماءات الحقيقية ( السوري، العراقي/ أوروك/، الفرعوني، الفينيقي، اللبناني، الأمازيغي، البربري، النوبي....إلخ ) لشعوب هذه الأمة الوهم؛ إن نظرية الأمة العربية الواحدة هي وهم و خرافة، شبيهة تماما بمغامرات حسن الصائغ بطل بضعة ليالٍ من ألف ليلة و ليلة، حسن الصائغ الذي تزوَّج من حسناء، صُغْرى الشقيقات البجعات السبع، بنات مَلِك بلاد الواق الواق، هذه النظريات التي أساسها ثقافة الصحراء و المتمثلة في حكمة إلهية، أمرٍ إلهي، و القاضي بِ العيش في راحة تامة، أي أننا شعوب الراحة التامة، الراحة المطلقة المنحلة و المتحللة من الآداب العامة و الخاصة، الراحة المطلقة في المأكل و الملبس، الراحة التامة و المطلقة في التعامل مع الآخر، الراحة المطلقة في المتعة و الاستمتاع و النكاح، الراحة المطلقة في التعامل مع الاختراعات و الاكتشافات و كل شيء جديد تحت الشمس، و الراحة التامة هذه مؤداها إلى العطالة التامة في الدماغ، و لِ تقديس هذه العطالة، راح العباقرة و المفكرون و القادة و الرسل و الأنبياء يعملون كل ما بوسعهم لِ رَبْطِ هذه الرحرحة البهيمية بِ ألواح السماء، و إرغام مَنْ تبقَّى خارج الجماعة بِ الاقتناع بأن الله- ذاك الرمز الاعتباري الذي لا لون له و لا طعم و لا رائحة- هو الذي فرض علينا هذه العادات و السلوكيات و المعتقدات الباعثة على اللذة و المتعة و الراحة التامة، و كل مَنْ يخالف صدى صوته فهو من الكفَّار و المرتدين، و حكمه في شرع ذاك الرمز ( الله ) هو القتل. نعم القتل؛ هكذا نشأنا، و هكذا تكلَّم إلهنا: أنْ اقتلوا كل من لا يطيعني و لا يطيع رسولي، و رحنا نحن أحفاد آيديولوجية الراحة التامة نوسِّع الأمر الإلهي و نقول: اقتلوا كل من لا يطيعني و يطيع رسولي و يطيع أولي الأمر منكم، و أكثر مِن ذلك: اقتلوا كل مَن يخالفكم، اقتلوا كل مَن لا يقرُّ بصحة آيديولوجيتكم، و لهذا السبب بالذات نحن ( النظام ) و هم متشابهون، كلنا أصحاب آيديولوجية عنصرية تفوُّقيّة رافضة لِ الآخر، البعض منا بِ أحكام إلهية، و الآخر بِ أحكام ثورية، و الخطورة هنا في وضعنا نحن السوريين هو، أن الأحكام الإلهية و الثورية راحت في متعة الليالي الحمراء تمارس أحكام اللذة المقدَّسة تحت الناموس العبري بِ أمرٍ مِن إلهنا المقاتل، المتكبِّر، المخادع، الماكر، القاتل، و الذي هو نفسه إله بنو إسرائيل ( الذين هجروه إلى قوانين مدنية ) قائد جيوش السماء، قائد جند الرب النافع، الضار، المنتقم، المتجبِّر الرافض لِ الآخر المختلف عن هذه الثقافة العنصرية الإقصائية العنفية.

نعم. إننا أبحرنا في الاتجاه الخطأ، أبحرنا إلى قلب مثلث الموت، مثلث برمودا، أبحرنا إلى جوف بحر الظلمات، فعلنا ذلك لأننا نكره الحضارة التي صنعها، و يصنعها الغرب الكافر، فعلنا ذلك و لا زلنا نفعل، لأننا نحقد على أولئك المخترعين، المكتشفين، المبدعين، العلماء، الفلاسفة، الأدباء، الشعراء، نحقد عليهم لأنهم فضحوا صراخنا الهستيري، و عنترياتنا الفارغة، و ثقافتنا البائسة المريضة و المُعْدية، نحقد عليهم لأنهم وضعوا المرآة أمام عُرْينا، و أمْسَينا مهزلة و مسخرة، يتسلَّى بنا الأطفال في أوقات مَرَحهم و ألعابهم البريئة، إنهم يغمزون و يلمزون إلينا و لسان حالهم يقول: أننا مخادعون، نقول عكس ما نحن فاعلون، ندَّعي عَكْسَ ما نحن عليه؛ ألسنا مِن أوائل الشعوب التي ارتكبت جريمة إبادة الجنس، ألسنا مِن روَّاد الذين ارتكبوا جريمة التطهير العرقي، ألسنا مِن أوائل الذين دمَّروا تماثيل و رموز دينية لشعوبنا بالذات، ألسنا نحن أوَّل مَن قضى على انتماءات شعوب مختلفة عن انتماءاتنا و فَرَضَ عليهم انتماءات الصحراء بِ الحديد و النار، و هتْكِ الأعراض و تدنيس الكرامات؟

بِإلقاء نظرة سريعة على شبه الجزيرة العربية الآن، و الوقوف على الوضع الإثني و الديني، سَ نتأكد مِن أننا كنَّا كذلك، و لا زلنا كذلك، لأننا ورثة ثقافتهم البدائية المنبثقة من آيديولوجية الصحراء و الراحة المطلقة، حيث لا وجود لِ إنسانٍ واحدٍ مِن غير المسلمين، حتى كَ عيِّنة لِ المختبر، و لا وجود لِ يهوديٍّ واحدٍ ( أيضا للمختبر ) علما بأنهم كانوا قبل أربعة عشر قرناً يشكِّلون شبه الجزيرة، بدءاً مِن قصيّ حفيد أحد أسباط اليهود غير المعترف به، سبط اسماعيل بن هاجر المصرية جَدُّ قصيِّ بن كلاب الذي أنْسَلَ عبد شمس، و عبد مناف، و عبد العزِّي... و منهم جاء آل نوفل، و آل خويلد، و آل هاشم، و عبد المطلب، و عبد الله، و الرسول الأعظم محمد.

هذا الوضع الاجتماعي و الديني هو خير دليل و شاهد إثبات على إدانة ثقافتنا العنصرية الحاقدة التي مارسناها، و لا زلنا نمارسها على شعوب هذه الجغرافيا التي باتت رمزاً و عنوانا لِ الإرهاب و الكراهية، و رفض الآخر بالمطلق، هذه الجغرافيا التي أمست معسكرا لِ تفريخ الإرهاب و الإرهابيين، هذه الجغرافيا التي راحت الصواريخ الانتحارية تنطلق مِن منصاتها و تفجِّر عواصم الكفر و الدعارة و الاستكبار العالمي.

إنها ثقافة الراحة المطلقة، ثقافة اللون الواحد، القول الواحد، الفرد الواحد، القومية الواحدة، الدين الواحد الأوحد، و النبي الأخير و النهائي و الخاتم في الحياة، إذْ لا مجال للتعامل مع عدة آراء، عدة معتقدات، عدة قوميات و أجناس مختلفة في بشرتهم و عاداتهم و تقاليدهم، لذلك، فالحكمة الإلهية اقتضت بِ الأخذ بنظرية الراحة التامة، الراحة المطلقة في التعامل مع البشر، هذه النظرية فُرِضَتْ علينا- هنا في سورية- بقوة السيف و حوافر الغزاة على أبواب و بوَّابات دمشق الحضارة و التاريخ، و قضت على الأفكار النيِّرة و الأصوات الحُرَّة و نَفَخَتْ على الشموع التي كانت تنير لِ أجدادنا دروب الحياة، و أدخلتنا مُذْ ذاك في ظلام دامس، نتخبَّط في المستنقعات الآسنة و تلال الأسمدة المحيطة بِ خيامنا و منازلنا، لقد استَعْمَرَتْنا ثقافة القتل و الحقد و الكراهية، و رحنا نعادي المفردات الطرية، الجميلة، الهادئة في الحياة، نعاكس الآخر المختلف عنَّا ثقافيا، و نرفض مِن منتجاته و إبداعاته العلمية و الفكرية فقط الجانب الثقافي التنويري الإنساني المدني، أمَّا ما تبقَّى، حتى أفلام الدعارة، فَ ترانا نتهافت عليها و نُشَرْعنها أصولا، نفعل ذلك بِ دعوى الحفاظ على ثوابت الأمة، الدفاع عن كرامة الأمة، حماية سيادة الأمة و خطوطها الحمراء الفاقعة....إلخ. أصرَّ الرفاق الأشاوس على مقارعة أعداء الأمة الخالدة الممتدة من هنا إلى جاكرتا و مانهاتن، و التحالف مع امبراطورية الملالي و يدها الطولى في لبنان، إلى أن خَرَجنا من الحضارة الإنسانية السائدة الآن، و آثرنا العيش في البراري و القفار و الكهوف/ لكن هذه المرة مع المليارات المنهوبة مِن أموال و قوت الشعب /؛ أصبحنا أعداء العالم الآخر، أعداء الحضارة، التقدم، العدالة، المساواة، الحرية، و اليوم نجد دمشق ماضية في نفس المنهج الأصولي الرافض لِ الدخول في الحياة و المشاركة في بناء حياة أفضل لنا و لِ أولادنا، نجد دمشق متمسكة بِ نفس شعارات التفوُّق و رفض الآخر في الداخل و الخارج، هذه الشعارات و العنتريات المُمَسْرَحَة سَ تَجرُّ البلاد إلى متاهات و مهالك حقيقية يكون الخاسر الأول و الأخير فيها المواطن البسيط، المسكين، الشريف، المخلص، و لذلك، ينبغي على القائمين على إدارة البلاد أن يضعوا مستقبل و مصلحة الوطن و المواطن فوق كلِّ اعتبار، و أن يرموا الطلاق البائن على ثقافة الحقد و الكراهية و التحريض، و أن يكفُّوا عن إنشاد الأهازيج الثوروية الفارغة، و أن يساهموا في تحقيق المشروع العالمي ( الشرق الأوسط الجديد و الكبير )، و أن يبادروا إلى السلام الكامل و الشامل، و بناء أفضل العلاقات مع الجارة إسرائيل ( بنو العمومة )، و قبلها التصالح مع الداخل و الانفتاح على الشعب السوري و إشراكه في القرارات المصيرية كي نتجنَّب الطوفان المدمِّر القادم نحونا.

مصادر
إيلاف (المملكة المتحدة)