لا يعتقدنَّ أحدٌ بأن الكلمة الأخيرة من العنوان فيها خطأ إملائي أو مطبعي. لأ. فالعنوان صحيح مئة بالمئة، و الكلمة هي صحيحة إملائيا و نحويا و لغويا و تركيبيا، فَ الاستعلال كَ الاستبسال، الاستقدام، الاستعمار،...إلخ و المضارع المستقبل منه يأتي على النحو التالي: يستبسل، يستقدم، يستعمر، يستعلل...، و تحمل الكلمات في طياتها معنى البدء بالفعل مجدَّدا، و إذا انصرفنا من الدلالة المستقبلية للفعل المضارع إلى المضارع الآني، الحالي، المستمر، نحصل على: يتقدَّم، يتعمَّر، يتعلَّل، و بالعودة إلى أصل الفعل نجد أن كلمة الاستعلال ليستْ سوى إحدى اشتقاقات المصدر/ عليل/، و الذي منه أيضا يشتق علَّة و معلول، و مؤنثها معلولة البلدة التاريخية قرب دمشق، لا أدري لماذا هذه الكلمة تعني المرض، فَ العليل أو المعلول أو المعلولة يعني المريض، المريضة، أمَّا أحبَّتنا العربان/ الشوايا/ يستخدمونها بدلالتها الإيجابية، و عبارة تعلَّل أو أتعلَّل كثيرة الاستعمال هنا لدينا، و نحن نفهمها على أنها قضاء أوقات ممتعة و مريحة في مضارب العربان، و في ظروف رائقة و جميلة.

أنا ما قصدتُ اختراع أو اكتشاف كلمة جديدة كي تضاف إلى قاموس اللغة العربية، إنَّما قمتُ بِ دمج كلمتي الاستعمار و الاستقلال في كلمة واحدة و التي سوريا اليوم هي بِ أمَسِّ الحاجة لهما. نعم بحاجة إلى الاستعمار كي نبدأ مجدَّدا في إعمار البلاد، كنا نتمنى أن نكون تحت استعمار محلّي، داخلي، كنا نتمنى أن تكون السلطة الحاكمة في البلاد سلطة استعمارية محلية، لأنها كانت ستقوم بِ التعمير و الإعمار، لكنها لم تكن كذلك، و النظام لم يكن استعمارا علينا، بل كان استدماراً ماحقاً و ساحقاً، لأنه نظامٌ ( في معظمه ) فاسد و مفسد، و لذلك نرى كيف أنهم ينهشون في جسد الوطن و روحه كَ الوحوش الضارية، إنهم مجرَّدون من الإحساس و الأخلاق، فالبلاد بالنسبة لهم عبارة عن فريسة، غنيمة، جارية، و ليست الملاذ الآمن، الحضن الدافىء، الأم الحنون، الأب العادل. هذا النظام أفسد البلاد و العباد، أحرق أجنحة الطيور و البشر، لوَّثَ الهواء و المياه، خرَّبَ الأخلاق و القِيَم الإنسانية، حوَّل البلاد إلى غابة حقيقية و مواخير و قمامات، نصَّب الفاسدين و أشباه البشر حرَّاسا على أحلامنا و أرواحنا، جعل هؤلاء الذين كانوا يعربدون في قاع المدينة أوصياء علينا و على لقمة أطفالنا، فَ الإفساد الذي يتمُّ من خلالهم- كمسؤولين على مقدَّرات البلاد- إفسادٌ مرعبٌ، و العبرة ليست في العدد بقدر ما هي في قوة هذا العدد، فالنظام مسيطر على كل الخيرات، و مسيطر على أمننا و أمن البلاد، إنهم أفرزوا قيمهم و أخلاقهم اللاأخلاق و عمَّموها على البلاد، و راحوا يختزلون البلاد في النظام الحاكم، و النظام في الحزب الحاكم، و الحزب في أمينه العام، و الأمين العام في شخص الرئيس، و الرئيس في الوطن، و من هنا تأتي الكارثة على رؤوسنا؛ إذْ بِ إمكان السلطة، عبْر عملائها و مخْبريها المرتزقة، أن تخوِّن أيّ كان، و بكلِّ بساطة، إذا ما أبدى معارضة أو ملاحظة شخصية على شخص الرئيس، و تكون الآلية كَ الآتي: إنك ضد السيد الرئيس يعني أنك ضد الأمين العام للحزب، يعني أنك ضد الحزب الحاكم، يعني أنك ضد النظام الحاكم، يعني أنك ضد البلاد، يعني أنك تتآمر على الوطن، و هذا يعني أنك خائن وطن. ما هكذا تورد الإبل، و ما هكذا يكون الولاء و البراء، إن الذي يجري هو تدمير شامل لِ البلاد، لِ الاقتصاد، الأخلاق، الإنسان، القِيَم، الثقافة...، و لهذا، فنحن بحاجة إلى إعمار شامل للبلاد، و يمكن أن نفتح الطريق الرئيس له ( الإعمار ) من خلال الدعوة إلى مؤتمر وطني سوري تحت شعار" سوريا وطن نهائي للجميع"، و من هناك يبدأ الكل بِ طرح برامجه و رؤاه الوطنية مثلما فعلت مجموعة من الأحزاب و الشخصيات، حيث أنها طرحت وثيقة بتاريخ 16/10/2005 تحت عنوان" إعلان دمشق"، و هنا أنا لست بصدد مناقشة برنامج هؤلاء، و لكنني أقول في عجالة: بأنهم و للأسف ليسوا سوى الوجه الآخر للعمْلة، بِ الرغم من اختبائهم خلف عبارات و مفردات تنتمي إلى القاموس المدني و ليس لمباديء و شرعة حقوق الإنسان، لكنهم لم يتمكنوا من إخفاء حقيقتهم بهذا المكياج البرَّاق، فَ هناك أجزاء لم يصلها المكياج، و هو الجوهر في حقيقتهم. بماذا يختلفون عن السلطة، هل بِ المفردات الحديثة، أم بِ الوعود و الشعارات؟

ألم تشبعنا السلطة الحالية / خلال ما يقارب الأربعين عاما / شعارات رنَّانة طنَّانة، كَ الحرية، الوحدة، الاشتراكية، الديمقراطية الشعبية، العدالة، القانون، الدستور....إلخ. ما هي الضمانات التي يمكن أن يثق بها الشعب السوري لجهة عدم الوقوع مجدَّدا تحت هيمنة معارضة تسلطية عنصرية أصولية؟؟ هل يمكن أن نعتمد على مواثيق شرف؟، فأنا شخصيا لا أثق بِ شَرَفِنا إلى هذه اللحظة، و لذلك على كل الفعاليات السياسية و الثقافية و الفكرية أحزابا و تجمعات مدنية أن تقدِّم مواثيق خطية( تعهدات ) إلى الأمم المتحدة تتعهد فيها بِ الالتزام التام و الكامل بِ مبادىء الديمقراطية و حقوق الإنسان و فصل الدين عن الدولة و السياسة، و بالتوازي مع هذا الإجراء، علينا أن نطلب من مجلس الأمن الانتداب الأممي على البلاد، و ليس انتداب دولة بِ عينها أو إنْ شئتم مفهوما أقلَّ وطأة على مسامع العُصابيين المسكونين بِ الفوبيا الغربية ( ألفِرَنْجَة )، أقول نطلب من مجلس الأمن غطاءا دوليا لِ رقابة أداء المؤسسات و الوزارات و الإدارات الوطنية القائمة على الأرض، بالطبع مع مراقبة كل الطيف المعارض في البلاد لتلك الوزارات و المؤسسات و الإدارات، لمنع أيّ خرق لحقوق الإنسان و مبادىء الديمقراطية و العلمانية، و تحت هذه المظلة الدولية، يمكن العمل سويا لِ صياغة دستور جديد للبلاد، مع استمرار الدولة في الحياة دون حصول أيّ فراغ حكومي و دستوري، كي نجنِّب البلاد خضَّات أمنية و دستورية، فَ نحن لسنا في عجلة من أمرنا، و لا نريد أن نسلق مشروع الدولة الحديثة سلقا على نار حارقة خارقة؛ و هنا و في هذا السياق، فأنا أرفض تسليم البلاد إلى رموز عتاة من نفس هذا النظام، و الذين يقضون فترة استجمام و راحة في أوروبا و أمريكا بعد أن نهبوا خيرات البلاد و خزينتها، و سبَّبوا مآسي و ويلات لنا هنا في الداخل، و من عجائب الأمور و غرائبها، أن المعارضة الداخلية و الخارجية لم تطلب من تلك الدول بِ طرد هؤلاء( رموز الفساد و الاستبداد) من أراضيها، و أن تطلب منها تجميد أرصدتهم و أموالهم و ممتلكاتهم/ الأصول و الفروع / لأنها ممتلكات و أموال سوريا الوطن؛ و أيضا، أنا لستُ مع الطرح الذي تقدَّمَ به المناضل العزيز رياض الترك / مع محبتي و احترامي لشخصه النزيه/، و الذي دعا إلى استقالة رئيس البلاد و استقالة الحكومة، و تولّي رئيس مجلس الشعب لِ رئاسة الجمهورية لمرحلة إنتقالية. أقول للعزيز رياض الترك: هل أعطيتَ شرعية مدنية ديمقراطية لمجلس الشعب حتى تزكّي رئيسه لتلك المهمة، ثم أليس هو من شركاء هذا النظام الذي ترفضه؟!

إذا كانت المسألة هكذا، فأنا أفضِّل أن يبقى السيد بشار الأسد رئيسا للمرحلة الانتقالية، سيما و أننا الآن في طريقنا إلى الاستعلال الحقيقي، و البداية- كما هو واضح – هي في الانتداب الدولي الشفَّاف الذي يحصل الآن نتيجة تداعيات أداء النظام في الداخل و الخارج، كما أن هناك آخرين أيضا يمكن تزكيتهم لقيادة المرحلة الانتقالية، و منهم أنت شخصيا أيها العزيز رياض، و أيضا هناك العزيز أنور البني، و هناك العزيز عارف دليلة، و العزيز فريد الغادري، و البيانوني بِ الرغم من التناقض بين آيديولوجيته و بين تطلعاتي و فلسفتي في الحياة، إني أقبل به و لا أقبل بِ السيد الدكتور هيثم المنَّاع ( روبسبير باريس ) منظِّر انتفاضة الضواحي الباريسية، إنه يرى في أعمال الشغب التي قامت بها غوغاء و رعاع الضواحي في باريس، و ليس المحترمون من المهاجرين المغاربة، هؤلاء الذين حطَّموا المحال التجارية و المدارس و أحرقوها و أحرقوا أكثر من /900/ آلية، و قاموا بِ أعمال شغب و بلطجة بشكل واضح و صريح أمام عدسات الفضائيات، إنه يرى في كلِّ ذلك احتجاجا مبررا و مشروعا لِ هؤلاء ضد مظالم الحكومة تجاههم، حتى يقول بِ الحرف الواحد: لم يكن أمامهم سوى هذا الشكل من الاحتجاج. برافو عليك يا أيها الناشط في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، أيَّ فلسفة هي هذه التي بها تبرِّر أعمال العنف و التدمير و الإحراق و زرع الرعب بين الناس؛ أنا أدعوك إلى سوريا لكي تقود ثورة و انتفاضة ضواحي دمشق بدل أن تصبح غيفارا سوري في باريس، علما بأن زمن الثورات و الثورويين قد ولَّى و اندثر إلى غير رجعة، مع تمنياتي لك بِ حياة رغيدة هناك في ظلِّ ذاك النظام الفاسد الذي تريد أن تغيّره عن طريق انتفاضة الضواحي؛ من هذا المنطلق فأنا أقبل بكلِّ هؤلاء/ عدا قائد ثورة الضواحي الباريسية / لقيادة المرحلة الانتقالية و المهم في المرحلة المقبلة أن يكون العمل مدروسا جيدا، و تقنيا جيدا، و مدنيا جيدا، و أن يكون في رأس المهام الملقاة على عاتق الرئيس الانتقالي تحرير الشعب من سطوة الأجهزة المستبدة ( مدنية و عسكرية )، و السماح له بِ العمل السياسي الحرّ و تشكيل أحزاب سياسية وطنية، و منع الأحزاب القبلية و القومية و الدينية و المذهبية من العمل و التحريض و التهييج الغوغائي، و حجب أثير الوطن عن كل خطاب عنصري، أصولي، تحريضي، عدائي، و عليه أن يستقدم خبراء أمميين متخصصين في مختلف الميادين لِ مساعدتنا مع أبناء وطننا الحبيب المخلصين و الشرفاء النزيهين و بِ إشراف الأمم المتحدة في بناء دولتنا العتيدة" سوريا الغد" .

مصادر
ايلاف