بين فترة وأخرى، يأتينا زعيم سياسي يشعر بنشوة أوسمته العسكرية ويجدد وعد انتهاء ما أطلق عليه موشيه دايان: "غاية جيلنا بكامل قسوتها": لن يحدث السلام ولا التسوية، لا في عهدنا ولا في أي وقت من الأوقات. الأمور يمكن أن تقال بصيغة حتمية. والأمور نفسها تقال وكأنها حقيقة لا تشكيك فيها مفسرة بصورة تحليلية ورياضية على يد ايهود باراك ("لن تكون هناك تسوية حتى 2028 حيث سيختفي الجيل الذي شهد نكبة 1948"). وهذه الحقائق تقال بالممارسة اليوم كما فعل وزير الدفاع شاؤول موفاز في نهاية الأسبوع من خلال مقابلته مع "يديعوت أحرونوت". خلاصة هذه التصريحات والروحية التي تتسبب في ولادتها واحدة. من الممكن طبعاً إجراء نقاش حول حدوث تسوية مع الجيل الحالي من القيادة الفلسطينية أو عدمه. ومن الممكن أن نسأل إذا كانت هذه حقيقة موضوعية، والى أي مدى تعتبر نبوءة تحقق ذاتها: من الجانبين، عدم الثقة وغريزة الانتقام يولدان نزعة القوة التي تولد العنف وتزيد من عدم الثقة، ونزعة الانتقام. ولكن السؤال المثير هو لماذا يوجد شعور بأن الجمهور يقابل هذه العبارات في كل مرة تصدر فيها بمشاعر الارتياح وكان تأكدهم من أن الحرب واقعة هو سبب للاطمئنان بالنسبة لهم وليس العكس. الجمهور شعر بالاطمئنان لأن موشيه دايان وباراك وموفاز ارتكزوا الى الواقع والنظرية أكثر من قيامهم ببلورتها وتكوينها. الفجوة في الوعي بين الاسرائيليين والعرب في دولة اسرائيل هي حقيقة ثابتة لم تحاول إلا قلة في تاريخ المنطقة بذل جهود صادقة لجسرها. كما أن الاتفاقات السياسية (التي يطلقون عليها خطأ "اتفاقات السلام") سوقت من قبل كل زعيم لشعبه ليس على أنها فاتحة للأمل والحياة الجديدة المشتركة في المنطقة، وإنما كرفع لمستوى الأسوار والمتاريس من خلف الواقع الذي لا يوجد فيه شريك. اريئيل شارون الممثل الأبرز لهذه الرؤية لم يختر إظهار الانسحاب من غزة على أنه عقاب للفلسطينيين وأطلق عليه اسم "فك الارتباط". ليس هناك شيء يريد الاسرائيليون فك ارتباطهم عنه أكثر من حقيقة أنهم يعيشون هنا في بحر عربي ـ اسلامي محيط بهم. اعتبار هذا البحر معادياً الى الأبد وغير مستعد للتسوية يستجيب للميول العميقة جداً للسعي نحو فك الارتباط. هو يبرر كل خطوة تتم باسمه ويلغي الحاجة لدراسته من خلال معايير النجاعة وتحسين الوضع.، خلال العامين الأخيرين أضيف لهذه الرؤية بُعدٌ جديد بعد حرب العراق، إذ ساد الاعتقاد أن الوضع الاسرائيلي آخذ في التحسن بينما الوضع العربي يسوء، ولذلك ليست هناك أي حاجة للبحث عن قيادة فلسطينية مستعدة للتسوية أو المساعدة في بروزها طالما أنها غير موجودة. وهكذا يرد هؤلاء على تفويت فرصة التوصل الى تسوية مع سوريا في مطلع 2000 ـ التي يعتبر اسرائيليون وأميركيون مطلعون أنها كانت في متناول اليد ـ بأن ذلك كان معجزة: أنظروا أين هم وأين نحن الآن. ليس لدينا أي حاجة لتسوية نعطي فيها الأرض دون مقابل ذلك لأن الأسد لا يملك شيئاً لاعطائه لنا. ولكن من تحت مشاعر الرضى يواصل أمر واحد موضع ريبة الإطلال برأسه: ما هو مدى كل هذه الأمور. حتى متى سنواصل العيش داخل الارتياب والجبروت والثقة العمياء بالقوة والتبرير الذاتي الذي يبرر كل ظلم تتسبب به هذه الرؤية. الى متى سنواصل ـ مع قولنا لأنفسنا أنه لا يوجد شريك للسلام ـ الشعور بالهدوء فقط عندما يؤكدون لنا أن الحرب قادمة لا محالة؟

مصادر
يديعوت أحرنوت (الدولة العبرية)