في عجقة الاستحزاب التي تسببت بها حالة العطش السياسي وانتظار قانون الاحزاب، يبدو المستحزبون قد فقدوا البوصلة وطاش حجرهم في خضم صراعهم وتدافعهم على اقتراح احزاب تحت التأسيس، ولا ينتج هذا الضيعان من محاولة تأسيس احزاب على قياس الموجود كمثاله، وانما من فقدانهم التغيير الاجتماعي من برامجهم المقترحة ، وكأن السياسة كعمل تقني او كحرفة هي كل هموم الحزب المقترح، وبالتالي الخوض في المعمعة الساسية على قياس لعبة الشطرنج التي تثبت التفوق ولكنها في المآل الاخير هي (عن دود وليس عن جد). السياسة هي أحد مفاعيل الحراك الاجتماعي، مثلها مثل الاقتصاد والتعليم والنشاط الثقافي الخ، لا يمكن لها ان تكون وذات فعل خارج التغيير المستمر، وإذا كنا اليوم بحاجة الى احزاب فمن اجل ان نغيير ما في انفسنا لأن التغيير القسري الناتج عن التطور التقني والمعلوماتي سيضعنا في خانة المهزومين، وعليه لا حاجة لأ حزاب تضعنا في نفس المكان بناء على عدم ربطها التغيير الاجتماعي بالاداءات الاخرى السياسية الاقتصادية الثقافية الخ. من هنا لا يمكن الخوض في تصور حزب ماركسي يرى في الطائفية كأمر واقع يجب الاعتراف به حتى يقضي الله امرا كان مفعولا، ولا حزب ليبرالي ينظر الى المجتمع على انه متعدد القوميات، ولا الى حزب قومي يقيس التنوعات بالمسطرة الايديولوجية، فالحزب تشكيل حداثي يسعى الى اعادة التركيب على المستوى المعرفي، وبالتالي ازاحة عوامل التقويض بالتأسيس على استراتيجيا اجتماعية تقبل التوافق مع مقتضيات العصر ومقتضيات وجود الاحزاب كفكرة حديثة مرتقية، والا ليس هناك من فارق بين الحزب والميليشيا، كما ان اي حزب لا يرتكن الى التغيير الاجتماعي لا يعي الفارق بين الماضي والحاضر والمستقبل، فحضور الحزب في الحياة الاجتماعية ليس عملية ترميمية للماضي، بل هي ثورة تغييرية وضعت الحداثة اصولها السلمية والعقلانية، وذلك عبر تفعيل فكرة المؤسسة التي تعتمد على الاستمرارية والاختصاص، مفرزة في طريقها شروط الاداء من علانية وشفافية ومحاسبة ونقد واعادة النظر والتطلع نحو المستقبل والعلمية في القياس ووضوح الهدف والتزام المناهج الخطط الخ، من هنا فإن اقتراح وجود حزب ما هو اقتراح تغيير ( افي انفسهم) اولا، وصلاحية ما في انفسهم ليس للاشخاص فقط (على اساس ان الحزب هو مجموع تعاقدات فردية وليس عقدا اجتماعيا كا الدولة) وانما في الزمان والمكان… والزمان الوحيد المتاح لأي حزب في المعمورة… هو المستقبل.