صبري حجير

تصريحات خافيير سولانا ، منسق الشؤون السياسية في الإتحاد الأوروبي ، التي أطلقها يوم الأحد الفائت 18 / 12 / 2005 أسدلت على المشهد الفلسطيني ستارأ ضبابياً طمس معالم الصورة الديمقراطية الفلسطينية التي تشقّ طريقها في الساحة السياسية الفلسطينية بانسيابية راقية لتؤكد المدى الحضاري الذي يتمتع به الشعب الفلسطيني ، ولتظهر من جانب آخر ، الموروث الثقافي الذي يلازم الكينونة السياسية الفلسطينية .

قال خافيير سولانا في أعقاب محادثته ، مع شيمون بيرس ، نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي ، في تل أبيب ، " انّ الإتحاد الأوروبي سيجد صعوبة في التعامل مع السلطة الفلسطينية اذاما فازت حماس في الإنتخابات التشريعية القادمة " وقد اشار سولانا ، من جانب آخر ، الى استمرار حماس في المقاومة وعدم اعترافها باسرائيل ، حيث قال " أنّه لا يمكن للفصائل الفلسطينية الجمع بين المشاركة في العملية الديمقراطية ، واستمرارها في حمل السلاح والإحتفاظ بمليشيات مسلحة . . "

من اللافت للنظر ، أنّ تصريحات سولانا تلك جاءت في أعقاب اجتماعات دول الإتحاد الأوروبي في بروكسل . والجدير بالملاحظة أنّ مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية ( رون بورسور ) وجه دعوة للأوروبيين المجتمعين في بروكسل ليحذوا حذو مجلس النواب الأمريكي ، الذي أعلن رفضه القاطع لمشاركة حماس في الإنتخابات التشريعية الفلسطينية القادمة ، قبل أن تعترف بحق اسرائيل بالوجود ، وتدين الإرهاب ، وتتخلى عن أسلحتها ، بصورة دائمة ، وتفكك بنيتها " الإرهابية " ! وكان مجلس النواب الأمريكي قد هدد باعادة النظر في المساعدات المالية للسلطة الفلسطينية ، ووقف العلاقات الطبيعية معها في حال شاركت حماس في الإنتخابات التشريعية الفلسطينية القادمة !

كان من الطبيعي ، أن ترفض السلطة الفلسطينية تصريحات سولانا ، وموقف مجلس النواب الأمريكي ، وقد فعلت ذلك بشجاعة ، حيثُ قال صائب عريقات ، وزير شؤون المفاوضات في السلطة الفلسطينية " انّ على سولانا وغيره احترام خيارات الشعب الفلسطيني . . " وكذلك ردّت حماس على لسان الناطق الإعلامي باسمها الذي قال " انّ الضغوط الدولية على حماس تشكل انحيازاً لاسرائيل ، كما أكد على حقّ حماس بالمشاركة في الإنتخابات التشريعية القادمة ، رافضاً أيّ تدخل خارجي .

ليس غريباً أن يُظهر النواب الأمريكيون عداءهم وتدخلهم في قضية حيوية ، تعتبر من صلب الشأن الفلسطيني الداخلي ، لكن الغريب وغير المعتاد ،أن تأتي مواقف العداء من الإتحاد الأوروبي ، ومن قبل خافيير سولانا بالذات ! لأنّ المواقف الأوروبية من الصراع العربي الإسرائيلي معروفة وبينة ، فهي مواقف تتصف في الإعتدال والقبول من قبل الفلسطينيين والعرب . ولطالما رفضت اسرائيل أن تُشرك أوروبا في مرجعية أيّ محادثات وحوارات أولقاءات سياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين ! أوروبا كانت تسعى على الدوام حلّ النزاع العربي الإسرائيلي استناداً للقرارين الدوليين 242 و 388 وتدعم ارساء اسس تسوية سلمية بين الفلسطينيين والإسرائيليين على أساس اقامة دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة . فلماذا هذا التغيير في المواقف الأوروبية اتجاه السلطة الفلسطينيين ؟ وقد جاء الموقف الأوروبي يحمل في طياته ما يخالف أسس وقواعد الأخلاق والقيم الأوروبية ، التي تحترم حرية الشعوب في اختياراتها ، وحقها في تقرير مصيرها . والغريب في الأمر أن الموقف الأوروبي دخل الى صحن البيت الفلسطيني وأخذ يفصل ويقيس بما يناسب القياسات الإسرائيلية ! والجدير بالملاحظة ، أن تصريحات سولانا لم تأت من عنده شخصياً ، بل هي تصريحات ومواقف تمت مناقشتها ، مؤخراً في أروقة الإجتماعات الأوروبية ، في بروكسل ، فجاء الموقف الأوروبي متزامناً مع موقف مجلس النواب الأمريكي ومواكباً له ، ويستجيب لرغبات شارون واليمين الإسرائيلي ، وينحدر بأوروبا الى مواقع التردي القيمي . لأنّ الأوروبيون غلّبوا تقييم المصالح والعلاقات التحالفية مع الإدارة الأمريكية على المباديء القيمية التي تؤمن بها الشعوب والمؤسسات المجتمعية في أوروبا .

العلاقات التحالفية بين الإدارة الأمريكية وأوروبا جاءت بعد مرحلة اتسمت فيها العلاقات بين الجانبين بالتباعد والتنافر والتناقض . ففي أعقاب الحرب الباردة اتجهت المواقف الأوروبية باتجاهات التباعد ، حيث حاول الأوروبيون الخروج من عباءة الهيمنة الأمريكية ، بسبب قناعة الأوروبيين التي أفضت الى أنّ الولايات المتحدة الأمريكية ، بعد الحرب الباردة ، تريد أن تستبدّ بالعالم ، وتهيمن على ثرواته ، بفضل ضخامة الترسانة التدميرية العسكرية التي تقبع تحت سيطرة البنتاغون الأمريكي . وفي المقابل ترسخت قناعة الأمريكان بأنّ أوروبا باتت ضعيفة وهزيلة وقديمة على حدّ قول رونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي . فقداتجهت النزعة الأوروبية الى رفض ثقافة الهيمنة والسيطرة والإستئثار ، وتمسك الأوروبيون بسياسة السلم والأمن العالميين استناداً للمثل والمباديء والأخلاقيات التي تربت عليها الشعوب الأوروبية ، على مدى العقود الماضية .

لقد برزت الإتجاهات المختلفة ، بين أوروبا وأمريكا في العديد من القضايا العالمية ، من بينها القضية الفلسطينية ، حيث تمسكت أوروبا بشرعية الرئيس الراحل ياسر عرفات ، في الوقت الذي اعتبرته الإدارة الأمريكية شخصاً لا يحظى بالتعامل معها ، وطالبت باسقاطه عن رئاسة السلطة الفلسطينية ! وظهرعلى السطح الخلاف بين أوروبا وأمريكا قبيل الغزوّ الأمريكي للعراق ، حيثُ رفضت الدول الأوروبية ، ممثلة بفرنسا وألمانيا أن تعطي شرعية دولية لأمريكا لغزوّ العراق ، بل كان الموقف الأوروبي من المعوقات التي منعت مساعي الإدارة الأمريكية في جمع شمل تحالف عالمي ضدّ العراق ! اسفر الخلاف بين الجانبين الى تباعد بين ضفتي الأطلسيّ .

في الولاية الثانية لجورج بوش ، أدركت الإدارة الأمريكية أنّه لا مناص من رأب الصدع مع أوروبا والتفاهم معها والتنازل لها ، من خلال عقد صفقات على حساب المنطقة العربية وقضاياها المصيرية !

على جانب آخر ، نجحت الدوائر الإعلامية الصهيونية والأمريكية في إبراز خطر الإرهاب ( الإسلامي ) وهو الإرهاب الذي جاء على أمن المواطن الأوروبي في محطات القطارات الأوروبية !

نشطت الدبلوماسية الأمريكية الجديدة ، منذ شهر فبراير شباط الفائت ، في تصحيح العلاقات مع الدول الأوروبية ، وقدمت في سبيل ذلك تنازلات وضمانات لصالح الجانب الأوروبي . في 12 شباط 2005 انعقد مؤتمر ميونيخ تحت شعار ( السلام عن طريق الحوار ) فيه تحدث وزير الدفاع الأمريكي رامسفيلد ليؤكد للأوروبيين حاجة واشنطن لهم في الحرب على ما سماه المتطرفين الإسلاميين . . وفي شهر مارس آذار الفائت ، بدأ بوش جولة في أوروبا استغرقت خمسة أيام ، كان الهدف منها تحسين علاقات بلاده مع أوروبا ، ومناقشة قضايا مشتركة ، مثل ايران وسورية وحلف شمال الأطلسي . في يوم الاثنين 24 /آذار / 2005 ألقى بوش خطاباً في بروكسل ، أمام القادة الأوروبيين ، قال فيه " أنّه لا توجد قوة على الأرض قادرة على التفريق بيننا " . وفي جولته التي استهدفت رأب الصدع مع أوروبا طالب بوش من القادة الأوروبيين التركيز على التحديات المشتركة بما فيها السلام في الشرق الأوسط .

بعدما تمّ تصحيح العلاقة بين ضفتيّ الأطلسيّ ، أخذت تشير المواقف الأوروبية الى أنّ صفقة ما قد تمّت بين الرئيس الأمريكي جورج بوش وبعض القادة الأوروبيين ، كان من نتائجها التقرير السري الذي تمّ اسقاطه في الإجتماعات الأوروبية الأخيرة في بروكسل ، وهو التقرير الذي أعده وزراء وسفراء أوروبيين والذي جاء ليوضح مدى عمق الجرائم التي ترتكبها اسرائيل ضدّ المقدسات الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس . وفي هذا الصدد لابدّ من ذكر التحولات التي أصابت الإتجاهات الإعلامية الأوروبية ضدّ الإسلام والعرب في أوروبا ، والتي من خلالها تحاول الدوائر الصهيونية والأمريكية الربط بين المقاومة الوطنية والإسلامية الفلسطينية بالأعمال الإرهابية التي تنفذها جماعات تدّعي الإسلام في المدن الأوروبية ، وهي جماعات مشبوهة باتت معروفة بصلتها مع الدوائر الإستخباراتية الأمريكية والصهيونية . يبدو أنّ العمليات الإرهابية في المدن الأوروبية قد أدخلت أوروبا في دائرة الخوف من الإسلام ، حسب ما ذكر الصحفيون الأوروبيون المشاركون في مؤتمر اشبيليا الذي انعقد قبل أيام في اسبانيا .