سورية الغد

ضمن ظرف تاريخي ظهر الفكر الجديد سواء كان عروبيا أو قوميا اجتماعيا أو ماركسيا .. وفي ظرف تاريخي آخر ينتكس الإبداع نحو استكانة التراث مُنتِجا أحزابا لا تريد الاعتراف بأزمتها، بل تسعى للهروب من ماضيها.

المشهد السياسي لا يدعو للقلق من تدخل خارجي .. وسورية في دائرة الخطر ليس بسبب الضغوط الخارجية، بل لأن الماضي يسكننا مع ادعائنا بالتحرر منه، والماضي سواء كان التراث أو زمن الحداثة المرتَجْ، يبقى ماضيا يدفع البعض لانشقاقات حزبية، ويعبر عن فئات أخرى يتغير الأسماء ضمن احتيال على الزمن.

سورية في خطر لأن ما كان يُدعى نخبا ثقافية عاجزة عن الإبداع .. ومتمردة ضد الاعتراف بأنها تملك أزمتها .. ورافضة بالاعتراف بأن فكرها حقق أكبر هزيمة في تاريخنا الحديث .. سورية في خطر لأن كل مجموعة ربما لا تتجاوز أصابع اليد تعتقد بأنها قادرة على تأسيس فكر جديد .. ثم تجد نفسها أمام خيارات الماضي مع تبديل الأسماء، مما يتيح لمراحل ما قبل الاستقلال .. وما قبل المؤتمر السوري .. وما قبل الخروج العثماني ... وحتى ما قبل زيارة رفاعة الطهطاوي إلى باريس، كي تظهر وتدعي أن أكثر ملائمة لمجتمع لن "يصلح آخره إلا ما أصلح أوله"...

سورية التي أنتجت الأبجدية يوما .. وبلورت مفاهيم ثقافية خلال المرحلة الإسلامية .. وصاغت الفكر القومي سواء كان عروبيا أو سوريا اجتماعيا .. وقدمت تنظيرات ليبرالية وماركسية و .... لا تحتاج اليوم إلا أشباه "أحزاب" وإلى نظريات "مستنسخة" ... ولا تحتاج إلى تبني "الفوضى البناءة" ..

سورية تحتاج بالفعل إلى الإبداع من قبل مثقفيها ... والدفاع عن قيم الجمهورية التي تبلورت منذ الاستقلال ... وإلى مفهوم المجتمع الواحد الذي أسسته في المؤتمر السوري .. ومثقفو سورية ليسوا بحاجة لاستئثار عمليات الاستنساخ السياسي والفكري القائمة .. هم بحاجة للاعتراف بالأزمة، وبأنهم مدعوون لدخول القرن الواحد والعشرين بقطيعة معرفية عن الماضي.

سورية اليوم لا تحتاج لـ"ظلال" أحزاب جديدة .. بل تحتاج لقوى اجتماعية تدفع ثقافتها نحو المستقبل ... فهل هذا المستقبل يحمل "حاكمية" لغير المجتمع!!! وهل هذا المستقبل يحتمل ثقافة ما "قبل التاريخ"!!!!