جعفر الجعفري

شهد الفصل الأول من شهر ديسمبر الجاري انعقاد خمس ندوات ومؤتمرات تمحور خطابها حول استنباط آليات للدفاع عن حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وذلك تزامنا مع الذكرى السنوية ليوم التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني من كل عام، 29 نوفمبر، انعقدت في غزة وجنيف وعمّان ودمشق والناصرة، على التوالي.

وبالرغم من التقاطع في الشعار المشترك بين القوى والفعاليات المختلفة، خاصة لناحية الاحساس بأن من يدعون تمثيل هذا الشعب اعربوا عن جنحهم للتخلي عنه في مسلسل المفاوضات، الا ان تباينات الخطاب الموجّه طغت بدورها على المعلن من الاهداف، لتعزز القلق الذي ينتاب قطاعات واسعة حول المغزى من عقد هذه السلسلة من الندوات دون ربط موضوعة العودة بالتحرير وتفاعلهما الجدلي، بل خشية البعض وتحاشيه بالكامل لتلك العلاقة. ولعله من البديهيات التي لا بد التذكير بها بأن قضية اللاجئين هي نتاج الاحتلال الاستيطاني اليهودي لفلسطين، ارضا وشعبا وهوية وتاريخا وحضارة، والتي لا تحل الا بالتحرير. فالعودة دون تحرير تبقي الابواب مشرعة امام تفسيرات شتى ليس اقلها القبول بمبدأ "لم الشمل" واخطرها التوطين كبدائل عن العودة الحقيقية. كما وانه لا مجال للتحدث بحق العودة دون التمسك بعروبة فلسطين والحق العربي التاريخي بأرضها، فهو الضمانة الأكيدة لصيانة الحق الفردي والجمعي والوطني ضمن اطار يرتكز على الموروث التاريخي لهذا الشعب .

وسنسترشد هنا بالبيان الختامي الصادر عن المؤتمر التحضيري للجاليات والفعاليات الفلسطينية في الشتات الذي عقد في مدينة جنيف يومي 3 و 4 من شهر ديسمبرالجاري للدلالة على ركاكة الارضية الفكرية التي يقف عليها البعض في تمسكه بمنظومة "الشرعية الدولية" كاطار مستقل متوهما انها تملك حق الانصاف التاريخي او ترغب في ممارسته، خاصة وان المؤتمر استضاف السيد فاروق القدومي وجاء بيانه الختامي ليتطابق مع توجهات دائرته السياسية. فالشرعية الدولية المعنية هي حصيلة موازين القوى الدولية لنظام تقوده وتسيطر عليه الولايات المتحدة . ولا يغيبن عن بالنا انه النظام ذو الارث الاستعماري بعينه الذي استولد وانشأ ويستمر في حماية ورعاية المشروع الصهيوني الاستيطاني على اراضينا. فبأي منطق يصح التوجه اليه كمنظومة ليس بوسعها اتخاذ موقفا مغايرا لسياسات الثلاثي البيت الابيض والبنتناغون والخارجية الاميركية عندما يتعلق الأمر ببلادنا وقضايانا. وهي المنظومة التي وصفها الروائي رشاد ابو شاور: انه عالم النفاق يغلق أذنيه وعينيه عن سماع ورؤية معاناتنا الجحيميّة. وهي التي ينطبق عليها المثل الشعبي ايضا: "راح يشتكي لرئيس العصابة من افراد عصابته."

جاء في البند الاول للبيان الختامي لمؤتمر جنيف لما قرره المؤتمرون، ما يلي: " التأكيد على ان منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني على اساس الميثاق الوطني الفلسطيني وثوابته وعلى رأسها حق العودة للاجئين الفلسطينيين وفق قرارات الشرعية الدولية وفي مقدمتها القرار 194 ...." (التشديد من عندنا). ان المغزى الثابت هو الربط الخاطيء، في نظرنا، بين مساواة تحقيق العودة وآليات "الشرعية الدولية." وعليه، ستعالج هذه المساهمة خطورة ذاك الفهم.

الشرعية الدولية – هل تصلح كمرجعية؟

نزعم هنا ان الخلفية الفكرية التي تستنجد بمنظومة الشرعية الدولية هي من اجل تبرير القصور الذاتي في التعامل مع الواقع الراهن، بمقدار ما هي نتيجة منطقية وامتدادا للنهج السياسي الذي طبع تحركات م ت ف على مدى نحو اربعة عقود وهي التي قامت بوعي وادراك تام بالعزوف عن التوجه والتوحد مع الجماهير العربية لحماية المشروع الوطني التحرري نحو فلسطين، وتفضيل قيادتها للتعامل مع الانظمة القمعية والمستبدة في تآمرها على القضية. ولو دقق المرء قليلا في طبيعة المسار الرسمي الفلسطيني (الذي لم يكن ياسر عرفات سوى عنوانه الظاهر)، لاستطاع ان يتحسـس الكيفية التي تم بها اختزال الصراع مع عدو استيطاني غزا بلادنا وطرد اهلنا واستهود ارضنا ومقدساتنا الى ان أضحى صراعا بين طرفين يتنازعان على رقعة ارض "مشتركة" تستدعي تواجدهما معا عليها وفوقها – او هكذا يظنون. اما الوعي الشعبي الجمعي فلا يزال يدرك ان الصراع هو بين طرفين نقيضين لا يحل الا بفناء او الغاء الطرف الغازي ، كما اكدت عليه الادبيات والموروثات الشعبية التي أريقت من اجلها دماء عشرات الالوف من الشهداء واضعاف ذلك العدد من الاسرى والمعوقين، عربا واجانب اصدقاء على السواء، ولا يزال يعي ان الطرف الاول يتمثل بالبعد العربي وحاضنته الاسلامية، اما الآخر فيمثله الحلف الصهيوني – الاستعماري / الامبريالي.

وجاءت خيانة السادات لتسقط الشق الامبريالي/الاميركي من المعادلة لظنه انه يملك كافة اوراق الحل ، وكذلك لتحييد البعد العربي والاسلامي عن الطرف الاول. ونستطيع القول ان الطرف الفلسطيني الرسمي سعى وبشكل تدريجي منظم الى تبني ذلك الطرح القاصر وتصدّر مهمة ازاحة البعد العربي والاسلامي تماما عن المعادلة تحت مسميات شتى ليس اقلها "القرار المستقل"، ونجح بعض الشيء في تكريس تصوره الخطير لدى النخب وبعض الشرائح الاجتماعية ذات المصلحة.

وداخليا، توجه الطرف الرسمي الفلسطيني الى ترتيب الاوضاع لتتساوق مع توجهاته التفاوضية وحفاظا على مواقعه وامتيازاته، ونبذ ومحاربة كل المظاهر التي تعزز اللحمة القومية، وافتعل الصراعات الجانبية لعجزه وعدم رغبته في ادارة صراع طويل الامد مع عدو تستوجب مواجهته تسخير كافة الطاقات البشرية والمادية على طريق دحره وهزيمته. واستند في كافة تحركاته السياسية الى التناغم مع ايقاعات الطرف الامبريالي الأقوى واستجاب لرغباته في شرعنة الوجود اليهودي الاستيطاني على ارض فلسطين، وتجريم النضال من اجل تحريرها، وشطب الميثاق الوطني، ومحاصرة وتسليم القوى المشتبكة مع مشروعه الى عدوها مباشرة وتصفية اهم رموزها في حالات اخرى. بل وصلت به الصلافة وقدرته على لجم القوى المعترضة على برنامجه بأن اودع بعض رموزها السجن تحت حراسة اميركية بريطانية مشتركة!

ان حركة "فتح" وقيادتها تحديدا، التي تصدرت مسيرة الشعب الفلسطيني منذ هزيمة الانظمة عام 1967 وللآن، لم تقدم للأمة سوى التنازلات المهينة في المستوى الاستراتيجي منذ اقلاعها المبكر عن الحاضنة العربية الشعبية والاحتماء تحت عباءة الانظمة التابعة. بل يمكننا القول ان قيادة حركة "فتح" كان لديها مشروع تسوية منذ بداية دخولها القوي على ساحة العمل الوطني والقومي منتصف ستينيات القرن الماضي، واستخدمت المقاومة بكل اشكالها، لا سيما المسلحة منها، مطية للوصول الى مائدة التسوية. ان مشروعها كان دوما قطري على حساب الخيار القومي العربي والبعد الاسلامي.

وللدلالة على ما نقول، نذّكر بأن اللجنة المركزية لحركة "فتح"، وبعد اسابيع معدودة من الهزيمة العسكرية للأنظمة، عقدت مؤتمرها العام الاول في سورية ، آب 1967، وقد اوكلت تلاوة البيان الختامي الصادر عن المؤتمر الى أمين سرّها السيد فاروق القدومي الذي قال ان هدف النضال الفلسطيني الآني هو اقامة دولة فلسطينية الى جانب دويلة الكيان الصهيوني. وتجدر الاشارة الى ان البيان اياه ، بعد تعميمه، تم تجاهله من كافة ادبيات حركة "فتح" فيما بعد، الا من ضمير وارشيف بعض الشرفاء. وتكررت التصريحات القيادية لتؤكد على ذلك الهدف المعلن مرارا على لسان السيدين خالد وهاني الحسن بصفتهما اعضاء في اللجنة المركزية. وحتى تستقيم الأمور لا بد للمرء من الربط المباشر بين هكذا بيان تم اعلانه في بداية تأسيس العمل الفدائي المنظم وبين مسيرة التنازلات التي افضت الى اوسلو ليتبين نزعة التنازلات المتأصلة التي لم تكن يوما منعزلة عن سياق التقاطع مع متطلبات المخطط المعادي.

القرار الدولي 194:

في ظل غياب مشروع عربي لمواجهة العدو الصهيوني ينظر البعض الى التمسك بأي قرار دولي يتحدث ببعض الايجابية عن الفلسطينيين كونه يمثل قمة الواقعية. وفي هذا السياق يأتي طرح قرار الامم المتحدة 194 الصادر عام 1949 الذي ينص على "السماح للاجئين بالعودة" الى بيوتهم وممتلكاتهم كشرط مسبق للاعتراف الدولي بالكيان الصهيوني. اذن، القرار ينطلق من التسليم بمشروعية الكيان كدولة وان ما تلفظ به عن حق العودة يعني العودة الفردية الى "اسرائيل" وليس الى فلسطين العربية.

فالتمسك بالقرار 194 يعني تقديم تنازل مجاني ومبدأي عن فلسطين ، الاعتراف والحدود الآمنة والخضوع لآليات القرار الدولي، مقابل المطالبة ببعض الحقوق الفلسطينية على مائدة المفاوضات. ان القرار الدولي والآليات التي انتجته حينذاك لم تكن محايدة او مستقلة، وهي ليست كذلك الآن. ان حق العودة لا يستمد مشروعيته من قرارات الامم المتحدة، بل يستند الى عدالة القضية الفلسطينية برمتها وهي التي تعطي المشروعية لأي قرار كان. ومن نافل القول ان آليات استصدار اي قرار دولي في الظرف الراهن هي بيد الطرف الاميركي – الصهيوني وهو قادر على استصدار قرار بشطب حق العودة بالكامل حينما تنضج الظروف لذلك وحسب ما تقتضيه مصالحهما المشتركة.

ان النضال من اجل حق العودة هو نضال مشروع وينبغي تركيز الاضواء عليه في الجوانب القانونية والسياسية لحرمان القوى المعادية المتاجرة به والتنازل عنه بعد اتمام تأهيلها لاجراء المفاوضات بشأنه. وهذا لن يتأتى الا بتعميق الوعي العام لترابط حق العودة بتحرير فلسطين، وبأنه حق يضمن العودة الجماعية لارض عربية وليس كما يخطط له في اروقة التفاوض التنازلية. مقولة الممثل الشرعي:

لقد تبنّت الرسمية الفلسطينية (قيادة حركة "فتح" ومنظمة التحرير الفلسطينية) البرنامج المرحلي للتسوية في مجالسها الوطنية المختلفة، وعلى رأسها المجلس الوطني في دورته المنعقدة بالجزائر عام 1988، الذي اعترف رسميا بحق اليهود التواجد على ارضنا ضمن كيانية دولتهم، واقدمت م ت ف على شطب الميثاق الوطني في جلسة عقدتها خصيصا لذلك في غزة حضرها الرئيس الاميركي الأسبق بيل كلينتون. ان هذه المقدمات توصلنا بطريقة تلقائية الى تصميم الطاقم الرسمي الفلسطيني على شطب حق العودة كما شطب عروبة فلسطين والنضال من اجلها وأدان الكفاح المسلح لتحريرها. فهل يجوز لأي كان ان يقبل بالمقدمات ويرفض النتائج؟ بل الأنكى كيف يسمح البعض لانفسهم ان يمضوا بموافقتهم على الاعتراف بحق دولة العدو بالوجود ضمن "حدود آمنة" ويطالبون بتنفيذ حق العودة في أن واحد؟ ان النتيجة المنطقية تدفعنا للقول بأن البرنامج المرحلي وعملية التسوية يشكلان نقيضا موضوعيا لحق العودة برمته، اذ ان حق العودة المأمول لن يتحقق الا ضمن ومن خلال عملية تحرير فلسطين.

وفي هذا السياق نعود الى بداية البند الأول من قرارات مؤتمر جنيف بأن م ت ف هي الممثل الشرعي والوحيد. ان من يعترف بحق العدو بالوجود على ارض فلسطين، ويتخلى عن استراتيجية الكفاح المسلح لتحريرها لا يصلح لتمثيل هذا الشعب المعطاء مهما استدخل من تعابير لتضليل حقيقة توجهاته. على المنظمة، ان ارادت التمتع بمقولة التمثيل ، ان تعلن اقلاعها عن سياسة التسوية والتضليل والمراهنة على الآخرين ، وان تعلن تمسكها بالميثاق الوطني الفلسطيني غير المعدل ولتشطب قرارات مجالسها المسماة وطنية التي اعترفت بالعدو الصهيوني ، وتتخندق مع الشعب المناضل. حينها ستنضج الظروف الداخلية لانخراط القوى والفعاليات المعنية بشأن استعادة تأهيلها وتمثيلها لما تدعيه. فالولاء دوما ينبغي ان يكون للنهج وآلياته التي تقود الى تحقيق الاهداف الاستراتيجية وليس الى هياكل جامدة اثبتت عجزها الفاضح في استنهاض القوى وتحقيق الانتصار. اما نحن فممثلنا الشرعي والوحيد، راهنا ومستقبلا، هو خيار الكفاح المسلح والمتمسكون به ولا شيء عداه، وهو موقف ندرك مسبقا ان نسبة لا بأس بها من الشعب الفلسطيني تتمسك به وتصر على التحرير الكامل وعروبة فلسطين.

ان ازدياد الاهتمام العام بطرح موضوعة حق العودة سيفضي الى زيادة الوعي بحقيقة القضية الفلسطينية وارتباطها العضوي بمحيطها العربي . وما نود لفت الانظار اليه هو ضرورة الالتزام بالثوابت القومية والوطنية حتى لا تصبح قضية العودة مجزأة عن الهم العام تضاف الى سجل القضايا التي "يمكن" التفاوض بشأنها مثل القدس والمياه واللاجئين والمستوطنات ...الخ. فحق العودة هو حق يرتبط اساسا بالحق العربي التاريخي بفلسطين وآليات التمسك به مثبتة بالميثاق القومي والوطني لاحقا.

ان طريق عودة اللاجئين الى فلسطين هو طريق الصدام مع المشروع الامبريالي – الصهيوني ومصالحهما الاستراتيجية المشتركة الذي يستوجب تسخير القوى اللازمة لذلك. اما مسيرة التسوية والاستجداء فلم تحقق لنا سوى التشرذم والابتعاد عن فلسطين حتى ان تمادت الرسمية الفلسطينية بمطالبتها مؤخرا توطين اللاجئين! ان الصراع كان دوما صراع بين نهجين متصادمين ولن يكون غير ذلك. اما تركيبة ما تبقى من م ت ف فهي غير مهيئة للقيام بالصدام مع المعسكر المعادي واثبتت عجزها وفشلها في المراهنة على امكانية عقد تسوية مع الطرف المعادي. وهذا التراكم في الفشل الرسمي ادى الى بروز تشكيلات مسلحة خارج الاطار والرغبات الرسمية تدك مستوطنات العدو ومحمياته وآليته العسكرية على طريق تعميق ثقافة المواجهة والمقاومة والمراهنة على الذات بدل ثقافة الاستسلام والتنازلات. وهذه هي ابجديات الصراع التي تؤمن العودة الحقيقية لفلسطين.