هآرتس

يوسي فرتر ... أنهى شارون وظيفته التاريخية قبل سنوات من الموعد. فالجمهور الإسرائيلي الذي كان مستعداً للصفحح عنه وغض النظر عن قضايا الفساد التي وصمته في السنوات الأخيرة، كان ينوي منحه ولاية إضافية، أربع سنوات أخرى في السلطة. وما من شيء كان يمكنه الحيلولة دون ذلك باستثناء ما حصل قبل يومين. فشارون لم يعتبر "بلدوزر" فحسب، بل صخرة أيضاً. ومع أنه ثمة صراع دائم بين هاتين الخاصيتين، إلا أن الأمور سارت على ما يرام عند شارون. لقد اعتقد حقاً أنه سيعيش الى ما فوق التسعين عاماً، مثل عمته وجدته وكل أقارب العائلة من العجائز الذين اعتاد الحديث عنهم لمن يجرون المقابلات الصحفية معه ممن تساءلوا عن وضعه الصحي. الآمال التي علقت عليه كانت كبيرة. الشعور السائد لدى أوساط واسعة من الجمهور كان يفيد أن العجوز لن ينشق عن الليكود، وأنه لن يخرج في مثل هذا السن المتقدم الى هذه المغامرة السياسية، ما لم تكن لديه نوايا بعيدة المدى. الآن، بعد شارون، تبدأ من جديد في الواقع المعركة الانتخابية المجنونة والمثيرة التي تجري هنا في الأشهر الأخيرة، منذ انتخاب عمير بيرتس لرئاسة حزب العمل. وكل المسائل الأساسية التي بدا أنه تم إيجاد حل لها فتحت من جديد: هل ستؤجل الانتخابات؟ من سيرأس حزب كاديما، حزب شارون؟ ما هي فرص نجاح الوريث في تكرار نجاح شارون الذي حول كاديما الى حزب رائد ـ حزب سلطة مؤكدة؟ ماذا سيحصل من الذين انشقوا عن أحزابهم على أنواعهم، من شمعون بيريز حتى تساحي هنغبي الذين غادروا بيتهم السياسي من أجل شارون فقط، هذه الأسئلة صارت منذ أول من أمس من دون أجوبة. كان يمكن فقط محاولة الإجابة عنها، لكن من دون التزام ومن دون مسؤولية. ايهود أولمرت حل مكان شارون أمس الأول. وبطبيعة الحال، يعتبر أولمرت المرشح الرائد ليحل مكان شارون في رئاسة كاديما. لديه المؤهلات، لديه القدرة القيادية ولديه تجربة حزبية، سياسية وأمنية. لكن ما الذي يفتقد اليه أولمرت؟ ليس لديه ما كان لشارون، وهو شيء كبير. هو غير محبوب وغير مرغوب. فقد طلب من المشاركين في مجموعات العمل التي انعقدت خلال الأسابيع الأخيرة في كاديما، تحديد مشاعرهم إزاء الشخصيات الرائدة في السياسة، وجاءت النتيجة كالتالي: شارون، بيرس وتسيفي ليفني في مقدمة القائمة باعتبارهم يحظون بالتقدير والود. وتم تعريف أولمرت بأنه موضع تقدير لكنه ليس موضع ود. وفي استطلاعات الرأي التي أجريت بعد معالجة شارون السابقة، وضع بيرس وليفني من قبل ناخبي كاديما على رأس قائمة المرشحين المفضلين لخلافة شارون عند الضرورة. دخول اولمرت الى منصب رئاسة الحكومة في هذه الظروف، حيث الوضع في غزة على شفير الانفجار، والوضع عند الحدود الشمالية على عتبة الغليان، عشية انتخابات مصيرية في السلطة الفلسطينية، هو دخول دراماتيكي بأبعاد "شكسبيرية" تقريباً. وقد وصف أمس أحد المعلقين في شبكة السي أن أن منصب رئيس الحكومة في إسرائيل كأحد أصعب الوظائف في العالم. وسيدخل الى هذا المنصب شخص لم يكن يوماً على عتبة رئاسة الحكومة. على افتراض أن أولمرت هو الشخص الذي سيرأس كاديما، فإنه سيحتاج الى تعزيز جدي الى جانبه. وبحسب أحد السيناريوهات التي رسمت أمس في الوسط السياسي، من شأن أولمرت أن يدعو زميليه، ايهود باراك ودان مريدور، ليضعهم ضمن الخمسة الأوائل على قائمة كاديما، التي تضم أيضاً الى جانبه كلاً من بيرس ولفني، ويمكن لهذه الخماسية أن تكون منتصرة. فمن الناحية السياسية، الأمنية والقانونية ـ الأخلاقية، لا يحظى أي حزب بتشكيلة مماثلة. شمعون بيرس يشكل شخصية رئيسية في الواقع السياسي الجديد الذي نشأ هنا أمس الأول. شمعون خاصتنا، كما اعتاد شارون على وصفه، هو ذخر قيم جداً. هو كذلك بالنسبة لكاديما وحزب العمل الذي تركه غاضباً ومهاناً بعد أن خسر في الانتخابات التمهيدية قبل عدة أسابيع. وقال بيرس في بيان الاستقالة أنه قرر الانضمام الى شارون، لأنه الشخص الوحيد القادر على قيادة ائتلاف سلام. الآن، وبعد أن أصبح شارون خارج الصورة، حانت فرصة بيرتس لإصلاح الخطأ الكبير الذي كلفه خمسة الى ستة مقاعد، ومحاولة إعادة بيرس الى البيت. وأمس قال مسؤول كبير في حزب العمل أنه لو كان الأمر متعلقاً به، لقام بدعوة بيرس وباراك ولضمن لرئيسي الحكومة السابقين المكانين الثاني والثالث على قائمة العمل. وسنرى من كان سيعارض هذه الخطوة. لكن السؤال هو هل بيرتس قادر على فعل ذلك. والسؤال أيضاً هو هل سيوافق بيرس وباراك. ثمة سؤال إضافي. هل يستطيع بيرس أصلاً أن يكون عضو كنيست عن حزب كاديما في الكنيست السابع عشر؟ فظروف انشقاقه هو وحاييم رامون وداليا ايتسيك عن حزب العمل لم تتجاوز الاختبار القانوني بعد. فثمة أكثر من خبير قانوني يدعي أنه بما أن هؤلاء الثلاثة لم يستقيلوا "خلال فترة وجيزة من انشقاقهم" كما ينص القانون، وكما فعل تساحي هنغبي، فلن يكون في وسعهم دخول الكنيست القادمة على لائحة كاديما. هذا الأمر يحتاج الى فحص، ومن شأنه الوصول الى المحكمة العليا، لكن حتى لو حيل دون أن يكون بيرس عضواً في الكنيست القادم، فإن هذا لا يمنع حتى الآن أولمرت أو بيرتس، من الإعلان عنه كمرشح كبير لحكومتهما. الوضع الجديد الذي نشأ يحمل في طياته أيضاً فرصاً جديدة لبنيامين نتنياهو. فهو أيضاً ملزم باستغلال الارباك وحالة اللايقين، من أجل القيام في خطوة دراماتيكية تثبته كمرشح واقعي لرئاسة الحكومة. يمكن أن يتمثل ذلك في دعوته عدداً من المنشقين عن الليكود ـ هنغبي، لفني، موفاز وشطريت، للعودة الى البيت مع التعهد لهم بضمان مواقع لهم على رأس القائمة. وما من أحد منهم سيعود للمنافسة في مركز الليكود الذي من المفترض أن ينتخب قائمته يوم الخميس القادم. نظريا، كل شيء ممكن، لكن من الصعب رؤية من منهم سيستجيب لدعوة نتنياهو، في حال حصولها. فالشرخ هناك كبير جداً، ويبدو أنه لا يمكن إعادة كاديما الى الوراء. فظهر أمس، وفي ذروة الارباك واللايقين، كان الشعور السائد في الوسط السياسي أن كاديما لن تنهار بعد شارون. صحيح أن خصومها أحبوا تسميتها "حزب الرجل الواحد"، لكن كاديما ليست حزب الرجل الواحد أكثر مما هو الحال عليه في حزب العمل برئاسة بيرتس أو في الليكود برئاسة نتنياهو. ثمة في كاديما عدد كبير من الأشخاص الاكفياء، المخضرمين والمناسبين. بعضهم سار وراء الفكرة، وبعضهم سار وراء الرجل، وبعضهم سار لأسباب تتعلق بالمصلحة. ما ينقص كاديما اليوم، من دون شارون، هو المادة اللاصقة الموجودة في أحزاب أخرى: مؤسسات، منتسبين، تراث، جذور، ناشطين وفروع. إذا تم خلال الأسابيع ا لقادمة إيجاد صيغة توفر بديلاً مناسباً لكل هذه الأمور، وإذا لم تشر استطلاعات الرأي الى انهيار وتحطم وهروب سريع للناخبين، فإن شأن هذا الحزب البقاء. يجدر بقاء هذا الحزب ولو من باب المبادرة التقديرية، أو من باب تمجيد وتخليد ذكرى مؤسسه.