نصر شمالي

إنني أرى حركة إرهاب عالمية، تريد استخدام الإسلام لأهداف سياسية متطرفة، ستؤدي إلى إحراق الكتب، واضطهاد النساء، وسحق جميع المعارضين، وسينفّذ الإرهابيون حملتهم الإجرامية تحت أهداف محدّدة معلنة: إهانة وإضعاف الأمم الحرة - إخراجنا من الشرق الأوسط وإقامة امبراطورية الخوف على مساحة المنطقة – شنّ حروب لا نهاية لها ضدّ أميركا وأصدقائها! هذا ما أعلنه الرئيس الأميركي جورج بوش في خطاب له (18/12/2005) مضيفاً أن الإرهابيين ينظرون إلى العالم على أنه ساحة معركة عملاقة، وأنهم يتوقون لمهاجمة الأميركيين وحلفائهم في أي مكان يستطيعون الوصول إليه!

طبعاً، يستطيع الرئيس الأميركي تصوير أعدائه بالصورة التي تخدمه، فيضع فيهم جميع العيوب الفظيعة بعد أن يجمعهم في سلة واحدة بمختلف أطيافهم وألوانهم، فهذا أمر معروف في الحروب، حيث كل طرف يصوّر عدوه خليطاً من الوحش والشيطان! وما يستدعي الاستغراب للوهلة الأولى، أن يجد الرئيس الأميركي بين أعدائه من يوافقه في تشخيصه ويدعمه في حربه، غير أن الاستغراب يتبدّد، ووقوف بعض أبناء ضحاياه إلى جانبه يصبح مفهوماً، عندما ننتبه إلى أن الرئيس الأميركي يتحدث عن العالم باعتباره يخصه، وعن الشرق الأوسط باعتباره يمتلكه، أما الإرهابيون (أي المعارضون عموماً) فهم من خارج هذا العالم ولا مكان لهم فيه، سواء بسبب مروقهم وتمردّهم، أو لأنهم ربما قدموا من كوكب آخر، وهكذا صار هناك من يرى في الالتحاق بالإدارة الأميركية تأكيداً لوجوده ودليلاً على تمدّنه، وعلى انخراطه طوعاً وبحماسة في العالم الأميركي المعولم!

لقد سمعنا الرئيس بوش، في صياغته للهدف الثاني من أهداف الإرهابيين، يقول أن الهدف هو إخراج الأميركيين من الشرق الأوسط! فهل ثمة عبارة أوضح تشير إلى الوجود الأميركي الطويل، الذي بلغ حدّ التملك للسلطة والثروة والأرض في هذه المنطقة، منذ الحرب العالمية الثانية على الأقلّ؟ أي أن وجودهم لم يبدأ بالاحتلال المباشر للعراق، فهذا الاحتلال جاء في معرض التأكيد على وجودهم في المنطقة وليس بداية له، وفي معرض الدفاع عنها باعتبارها منطقة تخصهم، بل يمتلكونها، وقد كانوا قبل احتلال العراق يعتمدون على خطين دفاعيين يبقيان المنطقة تحت نفوذهم، أولهما هو النظام الرسمي الإقليمي، وثانيهما هو الكيان الصهيوني، وعندما اضمحل هذان الخطان الدفاعيان الإقليميان وعجزا عن دحر محاولات نهوض الأمة في أكثر من قطر عربي وإسلامي، لجأ الأميركيون إلى خط الدفاع الثالث والأخير، وهو الاحتلال المباشر للعراق وقبله أفغانستان، وأعلنوا بمنتهى الصراحة والوضوح، عشية الإنزال العسكري في العراق، أن خطهم الدفاعي الثالث سوف يجتاح المنطقة بكاملها، وذكروا بالاسم لبنان وسورية ومصر والسعودية، أي أن حضورهم سوف يكون مباشراً وشاملاً، سياسياً وعسكرياً، على حساب الخطين الأول والثاني بسبب اضمحلالهما وعجزهما وليس بسبب عدم ولائهما!

غير أن المقاومة البطلة للشعب العراقي العظيم قلبت برنامجهم رأساً على عقب، وألحقت خطهم الدفاعي الثالث والأخير، أي الإحتلال الأميركي المباشر، بالخطين الأول والثاني، الرسمي الإقليمي واليهودي الصهيوني، الأمر الذي أربك الإدارة الأميركية إرباكاً لا مثيل له في تاريخها، وها هي تجد نفسها اليوم غير قادرة على إحراز أي تقدم وغير قادرة على التراجع، بينما المقاومة اللبنانية تستمر راسخة صلدة، والفلسطينية متأججة صامدة عند الثوابت لا تتراجع عنها قيد أنملة، ناهيكم عن المقاومة العراقية! وهكذا مضى الرئيس الأميركي في خطابه المذكور، يفصّل كما يناسبه وخلافاً للواقع، فيتحدث عن الإرهابيين الذين لا يهمهم في قليل أو كثير ما يفعله الأميركيون في العراق أو في أي مكان آخر، لأن اعتراضهم ينصب "على قيمنا وطريقة حياتنا"! ولأنه إذا لم يقاتلهم في العراق وأفغانستان وجنوب شرق آسيا وفي أمكنة أخرى (على حد قوله) فسوف لن يكونوا مواطنين مسالمين (أي مستسلمين) وسوف يتوجهون إلينا!

إن الرئيس بوش الذي يعتبر العالم يخصه، والشرق الأوسط ملكه، يعطي نفسه الحق في ضبط ما يخصه وما يملكه، وفي إحكام سيطرته وهيمنته، غير أن ذلك يحتاج لموافقة شعبه، ولقدرة شعبه على الاحتمال، ويبدو أن الحال ليس كذلك، وقد سمعناه في خطابه إياه، الموجه إلى شعبه، يقول أن الحرب العراقية صعبة، وأن الجنود الأميركيين في غاراتهم على المدن والأحياء العراقية يتعرضون للمخاطر والمعاناة والخسائر، وأن هذه الخسائر أحزنت الأمة الأميركية وجعلت البعض يتساءل عما إذا كان احتلال العراق، بدلاً من إنهاء المشاكل، تسبب في خلق مشاكل أكثر! وقد وافق الرئيس على مشروعية مثل هذا التساؤل وعلى أهميته، لكنه أضاف بنبرة من يطلب النجدة من شعبه:" إن الحل يعتمد على وجهة نظركم في الحرب ضدّ الإرهاب، فإذا كنتم تعتقدون أن الإرهابيين سوف يصبحون مسالمين بمجرد توقف أميركا عن التدخل فإن تركهم وشأنهم يصبح معقولاً"! لكن الرئيس بوش راح يشرح كيف أن الانسحاب من العراق، الذي صار مطلباً أميركياً عاماً، لا يحلّ المشكلة. قال بوش:" الآن، ليس أمام وطننا سوى أحد خيارين: النصر أو الهزيمة. والحاجة إلى النصر أكبر من أي رئيس أو حزب، وأمن شعبنا يتلخص في هذه المعادلة، فإذا تركنا العراق نكون بذلك قد تخلينا عن أصدقائنا العراقيين، وسنعطي للعالم إشارة تقول أن أميركا لا تلتزم بوعودها، وسوف ندمّر معنويات جنودنا ونخون القضية التي ضحوا من أجلها، ونجعل الطغاة في الشرق الأوسط يسخرون من فشلنا ويزيدون من طغيانهم، وأنا لا أتوقع دعمكم في كل ما أقوم به، لكنني أطلب منكم اليوم ما يلي: لا تيأسوا، ولا تتخلوا عن معركة الحرية"!

لكن الأميركيين يعرفون أن ما يقوله رئيسهم غير صحيح، ويعرفون أن العراق لا يمتلك أسلحة دمار شامل ولا علاقة له بما يسمى بالإرهاب العالمي، وهي الأسباب التي بررت احتلاله، وهم يعرفون أيضاً أن أهم أسباب مأزق حكومتهم في العراق هو فشلها في السيطرة على نفط العراق بسبب المقاومة الباسلة، فقد كانت إدارة بوش تبني آمالها العريضة على نفط العراق، في تغطية نفقات حروبها من جهة وفي جني أرباح خرافية من جهة أخرى، وذلك برفع الإنتاج في المرحلة الأولى إلى ضعف ما كان عليه تحت الحصار، أي من 2.1 مليون برميل إلى 4 ملايين برميل، ثم رفعه مرة أخرى إلى الضعف (8 ملايين برميل) بعد بضعة أعوام من الاحتلال، وإذا به ينخفض إلى النصف (تقديرات آخر عام 2005) إلى 1.1 مليون برميل، فمن أين ينفقون على الحرب المفتوحة، وبماذا يجيبون المستثمرين المموّلين، الذين لم يعودوا يخشون فقدان الأرباح بقدر ما صاروا يخشون ضياع رساميل استثماراتهم؟ ولعل هذا ما يفسّر لنا بعض أسباب معارضة الحرب في الكونغرس، وإيقاف تمويل عملية إعادة إعمار العراق!

خلاصة القول: إن الأميركيين وحلفائهم وأتباعهم يدافعون عن منطقة الشرق الأوسط باعتبارهم يمتلكونها، وبداهة يتوجب على شعوب الأمة العربية والإسلامية أخذ وضعية الهجوم (لا الدفاع!) من أجل استرداد بلدانها، وهذه المعادلة هي حقاً جوهر الخطاب الأميركي المقلوب المخاتل!