السفير ، جوزف سماحة

تعبير رائج هذه الأيام: على سوريا أن تتعاون مع لجنة التحقيق الدولية. يحصل، أحياناً، أن يحذف جون بولتون <<تتعاون>> و<<يستخدم>> تذعن>>، ويحصل أن يشير أحد الى <<تلكؤ>>، او <<ممانعة>>، أو... إلا أنه ينبغي الاعتراف بأن هذا التعبير ليس مفهوماً تماماً، أو، لنقل، لم يعد مفهوماً تماماً. لم يعد مفهوماً لأن لجنة التحقيق طلبت الاستماع الى الرئيس السوري بشار الأسد، ولأن الاتهامات التي وجهها عبد الحليم خدام إلى الرئيس السوري وجدت صدى إيجابياً جداً في الاوساط الداعية الى التعاون. إن الداعين الى التعاون هم، في الغالب، من متهمي سوريا رئيساً ونظاماً وضباطاً بالتورط. ويقود الأمر، او كان يفترض به ان يقودهم، الى تحديد المقصود بالتعاون ما دام الطلب مرفوعا إلى... المتهم. إن الشكل الوحيد، في هذه الحالة، هو <<الاعتراف>> والانتقال الطوعي الى السجن بعد التخلي عن السلطة. لا يقول المصرون على التعاون إن على دمشق ان تساعد التحقيق الدولي من اجل أن يتعرف، في غيرها، على المجرمين بل ان تساعده، وتقدم له المعطيات، وتوفر له الأدلة، والشهود، والقرائن مما يصب كله في تثبيت التهمة عليها. يجب الاعتراف بأن التعاون في مثل هذه الشروط، صعب وفي غير محله. وهو يتساوى، الى حد بعيد، مع طلب تغيير النظام أو، على الاقل، مع طلب إطاحة رؤوس النظام. ومن المستحيل، والحالة هذه، ان يزعم لبنانيون وغير لبنانيين أنهم حريصون على الاستقرار في سوريا، ولا مشكلة لهم معها على الاطلاق، ولكنهم مع ذلك لا يطلبون منها إلا النزر القليل وهو <<التعاون>> الذي لا يعني شيئاً آخر في عرفهم سوى الإقرار بارتكاب الجريمة وتحمل تبعاتها. وكل تعاون يتجاوز الاعتراف بالذنب لن يكون سوى محاولة لحرف التحقيق عن مجراه. كل دفاع سوري عن النفس وإنكار التهمة هما تعبير عن رغبة بالاصطدام مع العدالة. لا يعني ما تقدم نفي التهمة او إثباتها او التدخل في شؤون التحقيق. انه يعني فقط لفت النظر الى الواقع الغرائبي الذي نعيشه والشعارات التي نرفعها والتي تحتضن، كما في الحالة المشار إليها، تناقضا لا حل له. إلا ان هذا التناقض لا يتوقف هنا. فالذين يدخلون في نفقه يصرون على الذهاب بعيداً. يقول هؤلاء، أي طالبو التعاون من سوريا في ظل يقينهم بمسؤولية حكامها ونظامها، إن قصدهم، جلّ قصدهم، إقامة افضل العلاقات معها. اي انهم عندما يطالبون سوريا بالتعاون، ويضمرون ان الشكل الوحيد للتعاون هو الاقرار بالذنب، فإنهم يتجاهلون، قصدا او عن غير قصد، انهم يتوجهون الى كائن هلامي اسمه سوريا لا يستطيع، لهلاميته، ان يتجاوب مع رغبتهم. فالتعاون قرار سياسي يتخذه اشخاص وليس قراراً تتخذه <<سوريا>> ومن الطبيعي ان يرفض هؤلاء الاشخاص هذا القرار في انتظار ان تجد سوريا تعبيراً سياسياً عن نفسها يتيح لها امكانية التجاوب. في انتظار ذلك لا مجال للجمع بين الاصرار على التعاون وبين الاصرار على افضل العلاقات. وبهذا المعنى لا تعود مفهومة تماما الجملة التي قالها مسؤول لبناني كبير وجاء فيها: <<ان ما يربط لبنان وسوريا ليس الجغرافيا بل تاريخ ومصالح ومستقبل ونحن حريصون على ان تكون العلاقات بين لبنان وسوريا ممتازة>>. كلام رائع شكلاً ولكن لا معنى له سياسيا، يصعب على حكومة لبنانية او غيرها ان تحاور الجغرافيا والتاريخ والمصالح والمستقبل من اجل ان تقيم معها علاقات ممتازة. الحكومة تحاور حكومة والحكومة اللبنانية، بأغلبيتها، ميالة الى اتهام الحكم السوري، وهي تدعوه الى تسهيل اتهامه لا بل المشاركة فيه بذريعة ان <<مصلحة سوريا>>، لا مصلحته، وعلى حساب مصلحته، هي في ذلك. الكلام عن افضل العلاقات مع سوريا هو في احسن احواله إنشائي. الا انه في الواقع تصعيدي بقدر ما يكون القصد منه الاشارة الى ان النظام السوري هو الحائل دون هذه العلاقات الرائعة لانه يرفض التعاون اي، عمليا، يرفض التخلي عن ادارة الشؤون السورية. وبما ان الخطاب السياسي اللبناني يغرّد في عالم سوريالي بالكامل كان لا بد له ان يكشف نفسه عند استخدام الكلمة الطوطم: الحقيقة. لقد استشهد الرئيس رفيق الحريري، وحسمت اكثرية لبنانية، كما هو معبر عنها في الانتخابات، أن سوريا مسؤولة (يقال، تخفيفاً، النظام السوري). وقامت تحركات وضغوط وتظاهرات ادت الى تدفيع سوريا الثمن عبر ارغامها على سحب قواتها من لبنان بالشكل الذي شهدناه. ثمة اقلية في لبنان، كما هو معبر عنها في الانتخابات، لا تملك رواية تفصيلية اخرى للجريمة ولكنها تتراوح بين اتهام جهة غير سورية وبين الدعوة الى انتظار نتائج التحقيق. يقودنا ما تقدم الى استنتاج بسيط: ثمة اكثرية تعرف الحقيقة بدليل انها تصرفت وفق ذلك. وثمة اقلية لا تعرف هذه الحقيقة وتتمنى لو انها، اي الحقيقة، تكون غير ما هو سائد وشائع ومؤشر عليه. ويقود الاستناج هذا الى استناج آخر يقول ان الجهة التي يفترض فيها ان تكون شديدة التطلب في معرفة الحقيقة هي الجهة التي يفترض انها مزعوجة من الحقيقة الرائجة. ولكن الذي يحصل هو العكس تماماً. فالفئة التي تعرف الحقيقة هي الأكثر اصراراً على معرفة الحقيقة، والفئة <<اللاأدرية>> تعجز عن إقناع الآخرين بأنها جادة في معرفة الحقيقة. ان ما تريده الفئة الاولى هو، في الواقع، تفاصيل لان من يحسم في امر الجهة المسؤولة ويغرّمها بإخراجها يكون أدرك ما لا يقل عن تسعين في المئة من الحقيقة وحصل على تسعين في المئة من الحقوق. أما ما تريده الفئة الثانية فهو، في الواقع، الحقيقة الحقيقية فإذا تطابقت مع الحقيقة الرائجة يكون انقضى الامر وإن لم تطابق اصبح مشروعاً المطالبة بمراجعة جذرية لكل ما جرى في الاشهر الاخيرة. أحجية؟ أحجيات؟ نعم. الا انها مسيطرة والويل لمن يحاول ان يتعاطى معها بعقل نقدي. ان من يحاول ان يكون عقلانياً في لبنان تظهر أمارات ذلك عليه فوراً: تبدأ دماء الشهداء تسيل من يديه!.