يوسف شرقاوي

حينما فازت الجبهة الاسلامية للإنقاذ بالدورة الأولى من الإنتخابات المحلية والتشريعية في الجزائر قبل عقد ونيف من الزمن تقريبا , لم يرق لأمريكا والغرب والنظام العربي الرسمي ذلك الفوز الساحق للجبهة ، رغم أن الإنتخابات كانت ديمقراطية آنذك .

حينها ارتكب المتنفذون في الجيش والأجهزة الأمنية في الجزائر بقيادة اللواء خالد نزار الخطأ التاريخي الأكبر في تاريخ الجزائر، المتمثل بإلغاء نتائج الإنتخابات وإتباع نهج الإستئصال والإقصاء لرموز وأتباع الجبهة وعلى رأسهم عباسي مدني وعلي بلحاج وطاردتهم وأتباعهم وزجت بهم في السجون والمعتقلات ، وأغرقت البلاد في حمام دم لم يستنزف اقتصاد البلاد فحسب بل هدد الاستقرار والسلم الأهلي في البلاد .

حزب جبهة التحرير الوطني الجزائرية الحزب الحاكم منذ انتصار الثورة الجزائرية عام 1962 ثورة المليون ونصف المليون شهيد ،الذي كان ينتمي اليه قادة الأجهزة الأمنية الذين الغوا نتائج الإنتخابات كان حزبا يستند إلى تاريخ نضالي عريق، إبان حرب التحرير وخلال فترة الإستقلال ، حزب جبهة إستطاع تحريرالجزائر من الإستعمارالفرنسي والذي استمر حوالي 138 عام ، ظل الحزب متماسكا حتى وفاة الرئيس هواري بو مدين ، بظروف غامضة , طفى بعدها فساد الحزب على السطح اثناء حكم الرئيس الشاذلي بن جديد، نتيجة ضعفه وعدم حضوره القيادي ، مما حدا بالشعب الجزائري الى محاسبة رموز الحزب وأركان الحكم في صناديق الإقتراع ، في أول انتخابات محلية وتشريعية ليس حبا بجبهة الإنقاذ الإسلامية بل كرها بحزب جبهة التحرير ورموز النظام.

أما في مناطق سلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود فإن الحزب الحاكم تعفن نتيجة وجودة على رأس السلطة،لأنة كان يحمل أصلا بذورالعفن بداخلة ، وقد تكون تلك البذور سببا في فنائة وتلاشية وقد يصبح في أحسن الحالات حزب أقلية كما هو حال حزب جبهة التحريرالوطني في الجزائر .

لم يكن بمقدورقادة الأجهزة الأمنية وقادة المؤسسة العسكرية في الجزائر المسيطرة تاريخياً على مناحي الحياة السياسية منذ انتصارالثورة الجزائرية عام 1962. ثورة المليون ونصف المليون شهيد بقيادة حزب جبهة التحرير الوطني الجزائرية حيث كان قادة الأجهزة الأمنية وقادة الجيش أعضاءاً في حزب جبهة التحرير لولا الدعم اللامحدود من أمريكا والغرب والنظام العربي الرسمي . التجربة الجزائرية تلك يجب أن تقرأ بتمعن وبعمق وبحس عالي من المسؤولية الوطنية والأخلاقية، لئلا تستحضر تلك التجربة تماماً في مناطق سلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود، والتي ستشهد انتخابات تشريعية في 25/1 القادم لأن هناك بوادر لإستحضارها من قبل رموز في السلطة محكومة فقط بمصالحها الشخصية همها الأول والأخير القفز إلى سدة الحكم ، مهما كانت النتائج متذرعة بتاريخها النضالي والذي هو أبعد ما يكون عن النضال والمناضلين ، لواعتمد الحزب الحاكم (حركة فتح) أداة قياس لتقييم من هو المناضل ومن تتقاطع مصالحه مع مصالح الإحتلال.

في الجزائر تم الغاء نتائج الإنتخابات بعد صدور نتائجها أما في مناطق سلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود فهناك مؤشرات على الغاء نتائج الإنتخابات قبل صدور النتائج ، حيث المؤشرات تؤشر إلى فوز حركة حماس بعدد المقاعد التي تريدها مما يسبب هذا الفوز إحراجا للسلطة ولحزبها الحاكم.

قد تحمل الإنتخابات التشريعية القادمة في 25/ 1القادم في طياتها تلاشي الحزب الحاكم مهما حاول عكس ذلك في انتهاج تكتيكات انتخابية في توحيد لائحتاه في الإنتخابات التشريعية والتي لن تنهي الأزمة بل قد تؤجلها إلى ما بعد الإنتخابات.

عودة على ذي بدء إلى ما يهمنا في هذا الموضوع ، هنالك حقيقة يجب أن يقرأها المواطن الفلسطيني جيداً، وعليه أن لا يقبل بها أبداً لأن هذا من واجبه كونها تمس كرامته الشخصية ، وهي أن من أمر بإحتلال مراكز لجان الإنتخابات وحرق صناديق الإقتراع للإنتخابات الداخلية للحزب الحاكم وإتلاف الأجهزة ومصادرتها من المقرات نتيجة عدم رضاه عن ترتيبه التسلسلي في القوائم، لا يعقل أبداً أن يرضى بقبول النتائج في حال إخفاقه في الإنتخابات التشريعية، كونه بعيداً عن ثقافة الديمقراطية وثقافة التعدية السياسية، وثقافة التناوب على السلطة، ولن يقبل مستقبلاً في تكريس العلاقات الديمقراطية داخل النظام السياسي الفلسطيني، ولن يرضى أبدا التخلي عن موقعه في السلطة نتيجة فوز الآخرين في صناديق الإقتراع ، لأن من يأمر مناصريه بقطع الطرق، وإطلاق الرصاص، وحرق الإطارات المطاطية في الشوارع وحرق مراكز الإقتراع وترويع المواطنين، والتصريح جهاراً نهاراً وهو مقنع أمام الفضائيات أنه سيمنع الإنتخابات إن لم تؤجل، لأنه أُمرَ بذلك من مسؤول لم يدرج إسمه كما يريد على قوائم الإنتخابات، جاهز لأن يلغي نتائج الإنتخابات،ويغرق الشارع الفلسطيني بالدم، إن لم ترق له النتائج، مستحضراً من حيث يدري أو لا يدري التجربة الأليمة للأشقاء في جزائر المليون ونصف المليون شهيد،وهو جاهز لتعطيل الحياة الديمقراطية قبل إسرائيل وأمريكا وأوروبا، ولديه من الحجج الواهية ما تفوق حجج بوش وشارون وسولانا، لأن مشروعه السياسي البقاء متربعا على صدر العبادالى الأبد .

أصحاب تلك المشاريع لم يكن ليجرؤا على ذلك لو أن فتح حزبا ثوريا متماسكا (سوء المرحلة من سوء الأدوات) لحوكموا قانونياً لأنهم ليسوا أبرياء، بدءاً من المطبعين مع العدو الصهيوني، مرورا بفرسان التنسيق الأمني و القاء القبض ومطاردة المناضلين وتسليم خلايا المقاومة للعدو، والمسيطرين على المعابر الذين أثروا على حساب معاناة الشعب ، وانتهاءاً بمن صاغوا وثيقة العار وثيقة جنيف مع يوسي بيلين، والتي لا تمس جوهر القضية الفلسطينية فحسب (حق العودة). بل تهدد بطرد أحبتنا وأشقائنا الفلسطينيين من الأراضي الفلسطينية المغتصبة عام 1948، لأن فرسان تلك الوثيقة العار أقروا بيهودية (دولة إسرائيل).

إن ضعف الرئيس أبو مازن وعدم حضوره، وعجزه عن مجابهة تلك الزمر بحقيقتها، يفسر ضعفا ورغبة للرئيس في وصول الأحوال إلى ما وصلت إليه، لغاية في نفسه قد تظهر مستقبلا.

للأسف معظم مرشحي حركة فتح الحزب الحاكم لم ولن يستوعبوا أن الديمقراطية من أبسط معاينها احترام رأي الأغلبية، والاحتكام إلى نتائج صناديق الاقتراع مهما كانت النتائج رغم أن الجميع تعهد بالالتزام بأصول العملية الديمقراطية والقبول بنتائج الانتخابات(الانتخابات ليست هي كل الديمقراطية.. الانتخابات كلمة في نص متكامل)القيادة الفلسطينية فقدت زمام السيطرة على الحزب الحاكم وقادة الأجهزة الأمنية، ويخطأ من يعتقد أن ما يجري هو انفلاتاً أمنياً كما يروق للبعض أن يسميه، ما يجري انفلاتا رسميا وبأمر من أعلى المستويات، ويخطأ من يعتقد أن قيادة السلطة سيكون بمقدورها كبح جماح قادة الأجهزة الأمنية عند صدور نتائج الإنتخابات التشريعية، عند الإعلان عن تقدم حماس وهزيمة مرشحي الحزب الحاكم أوإخفاق هذا المرشح أو ذاك، لأن ثقافة الحزب الحاكم و ثقافة مرشحيه غربية عجيبة، ثقافة تقاسم المصالح، والغنائم، والمحاصصة، لذلك لن يكون بمقدور قيادة السلطة منع استحضار التجربة الجزائرية الأليمة أو ابعاد شبح التدخل الأمني في الإنتخابات ونتائجها في التجربة الفلسطينية ،لأن هناك تقاطع بين مصالح بعض المرشحين ومصالح أعداء الشعب الفلسطيني لأن أعداء الشعب الفلسطيني مصرون على حرمان الشعب الفلسطيني من اختيار ممثليه في البرلمان القادم لقطع الطريق على تأسيس نظام سياسي فلسطيني شرعي متماسك، يؤمن بالتعددية والمشاركة السياسية وبالتناوب على السلطة، خدمةلأهداف الشعب الفلسطيني بالتحرر من (الكذبة الكبرى) وهي أن بامكان الشعب الفلسطيني بناء سلطة وطنية تحت الإحتلال ، يكون لها كرامة، تدافع عن مصالح وتطلعات وأهداف الشعب الفلسطيني في التحرر والإستقلال والتطورالديمقراطي وبناء المجتمع المدني، سلطة يكون بمقدورها أن تقول لإسرائيل وأمريكا وأوروبا ولدول الجوار إن الانتخابات التشريعية الفلسطينية شأنا داخليا فلسطينيا ، لأن ما يسعى إليه الأعداء وأعوانهم هو سلطة مسلوبة الإرادة عاجزة تقوم بدور( وكيل إحتلال) سلطة عاجزة أن تضبط وضعها الداخلي والخلاص من الذين يتاجرون بمعاناة الشعب الفلسطيني.

قيادة السلطة الحالية ليس لديها النية أو الإرادة أو الرغبة في ترتيب وضعها الداخلي لأنها ليست بمستوى تضحيات الشعب الفلسطيني ، لذلك لا يمكن أن تقبل تلك القيادة بثقافة الديمقراطية وتعزيزها وهي عاجزة عن تأمين الأمن والأمان والحرية والحياة الكريمة للشعب الفلسطيني ، ومقاومة الإنحطاط ، وعاجزة عن التصدي لمن يأمر بالفلتان الرسمي على كافة الأصعدة ،وحتما ستكون عاجزة عن التصدي لمن يعمل جاهداً على استحضار التجربة الجزائرية في مناطق الحكم الذاتي الإداري المحدود. لن يستطيع الرئيس أبو مازن منع استحضار التجربة الجزائرية فلسطينياً لوجود متنفذين على غرار اللواء خالد نزار على رأس الأجهزة الأمنية .

شبح التجربة الجزائرية الأليمة قادم ... إن لم نعمل جميعا على استبعاده ومقاومته.

وإن غدا لناظره قريب.