معاريف أمنون دنكنر يظهر الوضع في الآونة الأخيرة أن الجمهور يسبق البنية السياسية في استخلاص الخلاصات إزاء الوضع الذي ترزح فيه الدولة. وهذا هو السبب الذي جعل حزب كاديما الذي قاده شارون ومن بعده أولمرت، يكسر الأطر في الوسط السياسي، والحصول على أرقام جميلة جداً في استطلاعات الرأي العام. هذه الأرقام، التي تحافظ على مستواها في هذه الأثناء فحسب، بل هي آخذة في التزايد، تدل على أن كاديما أجابت فور تشكيلها على حاجة الجمهور الحقيقية الذي لم يجد جواباً له في الأطر السياسية التقليدية من حزب العمل والليكود وشينوي. ويتضح الآن أيضاً حقيقة إضافية تدل على أن الجمهور يسبق الأحزاب: بحسب معطيات الاستطلاع الذي أجرته معاريف، ثمة أغلبية وسط الجمهور تؤيد انسحابات أحادية الجانب أخرى، بينما لا يتحدث أحد من قادة الأحزاب المتنافسة في الانتخابات عن مشاريع فك الارتباط، وهم لا يفعلون ذلك على الملأ طبعاً. على العكس من ذلك، يرفض قادة الأحزاب فك ارتباط إضافي ويقترحون خيارات أخرى: فقد صرح شارون مرات عديدة، قبل دخوله المستشفى للمعالجة، أن ليس وارداً في الحسبان تنفيذ فك ارتباط آخر، ويتحدث أولمرت عن مفاوضات مع أبو مازن استعداداً للتسوية الدائمة، أما عمير بيرتس فيتحدث أيضاً عن المفاوضات مع الفلسطينيين بهدف التوصل الى تسوية سريعة، بينما يبدو أن نتنياهو خارج الموضوع كلياً. لكن الحقيقة هي أنهم جميعاً ـ وبالتأكيد رؤوساء الأحزاب ـ يعرفون أنه لا يوجد لعبة أخرى غير حصول فك ارتباط إضافي، وأنه لم ولن يكون هناك من يمكن التفاوض معه على الجانب الفلسطيني وأن استمرار الوضع القائم غير وارد في الحسبان. لكنهم لا يتحدثون عن ذلك بشكل صحيح، وعندما يتكلمون كلاماً آخر يعرفون أنهم مجرد متحدثين. يمكن القول لهم اليوم أنه يمكنهم بالتأكيد الخروج من التابوت والتصريح أنهم مع فك الارتباط. فالجمهور بات يؤيد ذلك بغالبيته. وعلى الرغم من أن الأغلبية التي يظهرها الاستطلاع الذي ينشر اليوم ليست كبيرة، لكن الحقيقة هي أن هذه الأغلبية تحققت من دون إجراء نقاش عام حقيقي وواقعي الموضوع، أي: أغلبية صغيرة من دون "رياح اسناد"، من شأنها أن تتحول بسهولة الى أغلبية مقنعة جداً مع وجود مثل تلك الرياح. في جميع الأحوال، الواضح هو أنه من المستحسن جداً أن تدور المعركة الانتخابية والى حد كبير حول فك الارتباط التالي الذي هو آت لا محالة على ما يبدو، وذلك كي لنشهد جولة انتخابات فارغة حول أمور غير مطروحة على جدول الأعمال الحقيقي. ففي الديموقراطية ليس أمراً عديم القيمة حصول الانتخابات بشأن مواضيع حقيقية تطرح للنقاش الحقيقي من قبل زعماء يتكلمون الحقيقة. ثم قيمة تربوية لهذا الأمر، قيمة تعزيز الديموقراطية، وهو يمنع أيضاً مزاعم من النوع الذي سمعناه ضد رئيس الحكومة شارون بخصوص فك الارتباط من غزة، بحجة أنه ينفذ أموراً لم يتحدث عنها في الانتخابات التي ربحها، وأنه في الحقيقة خدع الجمهور الذي انتخبه. إذاً دارت الانتخابات حول فك الارتباط أو حول "فكوك الارتباط" التالية، ثم قام من انتصر في الانتخابات بتنفيذها، فلن يكون هناك مجال للادعاء ضده أنه سرق الانتخابات. لقد حان وقت إجراء النقاش الصحيح من أجل التغيير.