تتكاثر المطالب التي يطرحها الغرب الراهن، وخصوصاً الولايات المتحدة، على الإسلام والمسلمين، ويأتي ذلك في سياق تصاعد السجالات الإيديولوجية الدينية والحضارية النظرية بين مرجعيات دينية وسياسية وثقافية وعلمية، من أطراف متعددة• لكننا حين نؤصّل للسجالات المذكورة، نتبين ضرورة العودة بها إلى أمثالها في التاريخ المذكور بين الغرب والشرق، وخصوصاً فيما يتصل بالموقف من المسيحية في بواكيرها، حيث نشأت في مهاد شرقي متقدم هو فلسطين من قبل ألفي سنة ونيف•

لقد نشأت المسيحية في بلدٍ -فلسطين- كان يغص بالقوى الأجنبية، التي أدركت أهمية فلسطين الاستراتيجية والاقتصادية والدينية• ويلاحظ أنه في مثل هذه الحال المركبة من العوامل الاجتماعية التاريخية والثقافية واللغوية والحضارية العامة، كان على المسيحية أن تكتسب تجلياتها وصيغها المختلفة، وهو أمر يمتلك شرعيته التاريخية والسوسيولوجية• ويمكننا الآن أن نضبط المسألة في ضوء تمييز نسبي بين أمرين اثنين، هما الجذور والتجليات• فعلى صعيد الأول، تبرز الجذور الأولى للمسيحية في فلسطين، في حين أننا نلاحظ -على صعيد الأمر الثاني- أنها اكتسبت تجليات كثيرة متعددة وفق المراحل التاريخية، التي مرت بها، وهي-في إجمالها وعمومها- السورية والمصرية واليونانية والرومانية• في هذا الموقع، تبرز ملاحظتان، أولاهما تقوم على النظر إلى المرحلتين السورية والمصرية بمثابتهما لونين من ألوان حضارة واحدة، هي ’’الشرقية- العربية’’، مما يدرجهما في الحقل الذي تنتمي إليه المرحلة الفلسطينية• أما الملاحظة الثانية، فتقوم على النظر إلى المرحلتين الأخيرتين (اليونانية والرومانية) بوصفهما نسقين منتميين إلى حضارة أخرى، هي الغربية• ضمن تلك الوضعية التاريخية الحضارية، دخلت المسيحية إلى روما، وعانت من المناهضة والعنت والاضطهاد ما جعل الكثير من أنصارها يعيشون تحت الأرض وما تزال آثارها إلى الآن• وكانت، بهذا، تعبيراً عميقاً عن آمال وأحلام العبيد على نحوٍ ما، وكذلك عن بؤسهم؛ إضافة إلى أنها راحت تتحول -على أيدي أولئك- إلى ’’قنبلة موقوتة’’ يوجهونها إلى مالِكيهم ومستغليهم من السادة• وهذا ما أسهم في ’’قلب الطاولة’’: لقد تحولت المسيحية إلى إيديولوجيا كفاحية ضد هؤلاء، وتحول أنصارها الفقراء والعبيد إلى ’’إرهابيين’’ في نظرهم، خصوصاً بعد ظهور انتفاضة ’’سبارتاكوس’’• وحالئذ ومع أحداث أخرى كثيرة، قرّ قرار رأس الإمبراطورية الرومانية على ضرورة استيعاب هذه الظاهرة ’’الخطرة’’، عبر تلقُّفها وتحويلها إلى دين هذه الإمبراطورية، وكان ذلك في القرن الثالث الميلادي•

وبدءاً من هنا، راحت عمليات التفسير والتأويل تأخذ مداها الواسع، بهدف إعادة إنتاج الأيديولوجيا الجديدة، على نحو يخدم مصالح الأعلين عبر الكنيسة، ولكن بحيث يكون البابا الوسيط بينه وبين المؤمنين، أي القديس الذي يقف على رأس الكنيسة• لقد امتلك الغرب المسيحية الفلسطينية- العربية في سياق إعادته إنتاجها وفق مصالحه وخصوصياته، وبحيث قامت الكنيسة البيزنطية وبعدها الرومانية بطمس معالمها الباكرة، وقد نقول في ضوء هيمنة المصالح والسلطة وجدلية التفسير والتأويل والتجاوز: إن ما تم، يمتلك بحدٍ ما منطقيته التاريخية وشرعيته الأيديولوجية، شرط ألا يكون ذلك ضمن حالات التزوير التاريخي التوثيقي والإساءة الأيديولوجية، ويبدو أن ذلك حدث، على نحوٍ ما• في هذا المعقد من المسألة، تبرز المحطة الثانية، التي تأتي استمراراً للأولى، ونعني بها الإسلام• وفي هذا الحقل، كذلك، يخضع هذا الأخير -وقد جاء بوصفه نصاً مفتوحاً موجهاً للجميع- لِما لا يُحصى من تأثيرات المصالح المادية والسلطوية ولأشكال غزيرة من تعبيرات التفسير والتأويل والتجاوز -أولاً- على صعيد المنطقـة التي نشأ فيهـا، و-ثانياً- حين جرى تلقُّفه من مجموعات بشرية أخرى في مناطق متعددة من العالم، ومنها الغرب، وكان ذلك، بالطبع، أمراً وارداً، خصوصاً حين نعلم أن ذلك قد تم في سياق صراعات عسكرية وسياسية واقتصادية واستراتيجية مع بعض بلدانه• وفي هذا وذاك، كان الإسلام -كما المسيحية من قبل- يُخضَع لقراءات تحقق الدلالات المتوخاة منها• وعلى هذا الأساس وغيره، ظهرت -جزئياً على الأقل- الحركة الاستشراقية والدراسات الإسلامية والقرآنية•

ومع ظهور النظام العالمي الجديد مؤخراً وبروز ثنائية ’’الإرهاب والديمقراطية’’ طفت إلى السطح صراعات زائفة استجابة للاستحقاقات، التي تطرحها هذه الثنائية، ومن ذلك، الدعوة إلى إعادة إنتاج النص الإسلامي بمقتضى المصالح السياسية والإيديولوجية والاقتصادية• والأمر يزداد اضطراباً وفساداً، حين نرى أن البعض يطالب بحذف نص ’’إرهابي’’ وبزيادة آخر، وأن يحرَّف شيء أو آخر، فإن هذا يدخل في باب ’’التزوير التاريخي’’ و’’الاختراق التراثي’’• ومن شأن ذلك أن يسيء إلى احترام تاريخ وتراث شعوبنا، وأن يسيء كذلك إلى مبدأ المثاقفة بين شعوب العالم أجمع•