ربحت الولايات المتحدة الأميركية معركة الحرب الباردة في أوائل التسعينيات، فتفكك الاتحاد السوفياتي، وزالت دول من الخريطة العالمية، ونشأت دول أخرى، وتراجعت قدرة حركات التحرر في العالم عن الصمود، فأنكفأ بعضها، والتحق بعضها الآخر، في آخر قاطرة من موكب النصر الأميركي مردداً: انج سعد فقد هلك سعيد. وبطبيعة الأمور، بعد كل معركة، يفرض المنتصر شروطه السياسية والاقتصادية والثقافية على المهزوم، فيجلده بالقرارات المذلة، ويملي عليه مفردات لا يملك هذا المهزوم إلا تردادها، في إطار عملية <<التثقيف>> الجديدة الوافدة مع السلع المصدرة في مرحلة ما بعد الحرب، وليس أمام هذا المهزوم، <<المستهلك الجديد>>، إلا تقبلها صاغرا.

ويأتي تعبير <<الشرعية الدولية>> في رأس قائمة هذه السلع السياسية الثقافية، ترسله الولايات المتحدة الأميركية الى منطقتنا، معتمدة على الوسيط الداخلي الجاهز لتسويقه، فتصدر قرارات مجلس الأمن على العراق، ويصدر القرار 1559 ممهورة بخاتم الشرعية الدولية.

نعم، لقد نجحت الولايات المتحدة في فرض وتعميم هذا الشعار بعد تسويقه، وأصبح استخدامه شائعاً حتى لدى البعض ممن اكتووا بناره وأصبحوا من ضحاياه.

كما ان الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة قد سيطرت على القرار الدولي، وأصبح مجلس الأمن أداة شبه طيعة بيدها، فما تريده هي، ينفذه أعضاء مجلس الأمن الخمسة عشر، وما لا تريد تنفيذه، فإن حق النقض جاهز.

هكذا في القضية الفلسطينية وبفعل النقض الذي مارسته أميركا لم ينفذ أي قرار من عشرات، لا بل مئات القرارات، ذات الصلة. وللتذكير فقط، فإن أياً من الدول الكبرى ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن لم تمارس حق النقض منذ سبع عشرة سنة. وحدها أميركا مارسته في الخطأ ضد الصح، ضد أحلام الشعوب وتوقها الى التحرر. هي تدوس على آلام الفلسطينيين، كي لا تزعج أحلام الإسرائيليين. إن إضفاء الشرعية الدولية أو صفة المجتمع الدولي على قرارات مجلس الأمن، هو قرصنة سياسية أو إكراه بالقوة تمارسها أميركا منذ عقدين من الزمن، وليس في الافق ما يوحي بوضع حد لهذه الحالة المتمادية. فمجلس الأمن وفق تعريفه الدولي هو أداة تنفيذية للأمم المتحدة المغيب دورها للأسف، ومجلس الأمن بهذه الحالة يحتكر لنفسه التشريع والتنفيذ ولا من رادع.

في عُرف الجميع، ان المجتمع يمثل مجموع الدول، ولا يجوز لمجلس الأمن ذي ال15 عضواً أن يتماهى مع المجتمع الدولي أو أن يدّعي تمثيليه بهدف إلغائه.

إن أميركا حين تختصر الأمم المتحدة بمجلس الأمن، فإنها تختصر ملايين الشعوب، وتلغي أدوارهم وحتى وجودهم.

إن الأمم المتحدة كممثلة للمجتمع الدولي، قد أصدرت سنة 1975 القرار رقم 3339 الذي يعتبر ان الصهيونية صنو العنصرية، فجاءت أميركا سنة 1994 لتلغي هذا القرار، بمفعول رجعي، فاتحة المجال أمام إسرائيل للمزيد من الجرائم ضد الشعب الفلسطيني. إن <<ارتهان>> القرار الأميركي للارادة الإسرائيلية في فلسطين جعل من الإدارة الأميركية عاجزة عن <<الوقوف على خاطر>> عائلة المواطنة الأميركية الشهيدة، راشيل كوري، التي سقطت بمواجهة الجرافة الإسرائيلية التي كانت تهدم بيوت الفلسطينيين.

لقد صمد القرار 425 الداعي الى سحب إسرائيل من لبنان ما ينوف على عقدين من الزمن، كل ذلك بفعل الامصال والمقويات والأوكسجين الأميركي، الى ان جاءت المقاومة الإسلامية ومعها الشعب اللبناني فوضعت حداً لحياة هذا القرار، بتنفيذه جبراً، وهنا يمكن القول: ان المقاومة كانت أكثر انسجاماً، وأقدر تنفيذاً، وأكثر التزاماً بقرارات مجلس الأمن التي صيغت قبل هيمنة أميركا عليه.

وحاضراً يعيش لبنان حالة حصار سياسية واقتصادية، مارستها اسرائيل في البحر والبر والجو، ومارستها أميركا <<بالدبلوماسية>> من مكان واحد في عوكر، والمسؤولون في لبنان كما المواطنون، يعرفون أن أميركا لم تقدم لهم أية مساعدات اقتصادية ذات قيمة، الى ان <<صحا>> الرئيس جورج بوش على محبة هذا البلد فجأة، عبر القرار 1559، فكان العناق حتى الاختناق.

ولبنان، يقول أهله ليس كمثله شيء، بلد التنوع والثقافة والحرية. ومن سخريات الأمور ان الداعين الى تنوع الألوان سابقا، يحاولون صبغه بلون واحد هو لون القرار 1559. () محام.