كارثة العبارة المصرية هي نموذج صارخ على ثقافة الاستهتار وغياب المسؤولية، وانعدام المحاسبة. كل الروايات التي سمعناها عن غرق العبارة، هي شهادات دامغة عن الاستهتار. كما أن الطرق البدائية التي تمت فيها عمليات الإنقاذ والإسعاف والتعامل الإعلامي مع القضية وتوصيل المعلومة إلى أسر الضحايا، تدل على أن ثقافة الاستهتار هي السائدة.

تحدث هذه الكوارث الكبرى، ثم تسجل ضد مجهول. وتحدث الكوارث الكبرى فلا يعترف المسؤولون بالخطأ، ولا يقدم أي مسؤول استقالته.

الذي حدث هو جريمة ارتكبت بدم بارد، وهي استمرار لجرائم أخرى من حوادث القطارات إلى انهيار البنايات، وفي مجتمعات لا أحد فيها يحاسب أحدا، وليس فيها احترام لقيمة الإنسان، وتنتشر فيها ثقافة «كل تأخيرة وفيها خيرة»، ويكون الجواب على كل خطأ بعبارة «معليش»، ويتم تصوير كل جريمة فيها، بأنها قضاء وقدر، في محاولة لتبرئة المجرمين الحقيقيين. نقول في مجتمعات تحمل هذه الثقافة، تكون حياة الإنسان دائما آخر ما يفكر فيه متخذو القرار، ويكون الانضباط والمسؤولية من الفرائض الغائبة في المجتمع على كل المستويات.

ستمر هذه الجريمة البشعة كما مر غيرها من الجرائم، وسيكفكف أهل الضحايا دموعهم ويدفنون موتاهم إن حصلوا على جثثهم، ثم سينفض السامر بانتظار كارثة جديدة وضحايا جدد وجشع وأموال حرام جديدة. وقطارات تحترق، وسفن تغرق وبنايات اسمنت مغشوش تسقط..!

حين يتحول المجتمع إلى غابة، يسمح فيها للقوي بنهب الضعيف، ويسمح فيها لكل مستهتر ارعن ممارسة هواياته، لا يملك الإنسان إلا أن يطالب من بيدهم الأمر، التحرك وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكننا على ثقة بأن مناداتنا هذه ستجف، مثلما يجف حبر أقلامنا في ظل حفلة موت ضمير.