الاعلام الاوروبي مصاب بمرض نفسي.. انه مرض "الرهاب" من الاسلام (ويسمى هذا المرض، تقنيا، "فوبيا"، أي هلع او ذعر شديد مرضي من شيء معين). الاعلام هو مرآة للواقع. فهل يمكن القول ان الاوروبيين، مصابون بفوبيا الاسلام؟ وهل ان هذه الحالة المرضية هي حالة طارئة أم انها حالة مزمنة تشتد اعراضها في ظروف معينة؟

ظهرت اعراض هذا المرض بشكل لافت في 30 ايلول الماضي حين نشرت صحيفة "يولاندس ـ بوستن" الدنماركية 12 رسماً كاريكاتورياً للنبي محمد ظهر في احدها معتمراً عمامة في شكل قنبلة، وفي أخرى حاملاً سيفاً وقد غطيت عيناه بمستطيل اسود. ولما بدأت الاحتجاجات من جهات اسلامية، على هذا العمل "الكاريكاتوري" الذي يشوه الاسلام من جهة، ويمس، من جهة ثانية، ليس فقط بنبيه الكريم بل ايضا باحدى ثوابته الدينية المتمثلة بتحريم تمثيل الله ونبيه، قدم رئيس تحرير الصحيفة المذكورة (وبعد اربعة اشهر من نشر الرسوم) اعتذاراً الى المسلمين. وقال ان الرسوم "لم تكن انتهاكاً للقانون الدنماركي، بيد انها بلا شك مهينة لمسلمين كثر، نود الاعتذار منهم". وأوردت الصحيفة الاعتذار باللغة العربية في الصفحة الأولى من طبعتها الالكترونية.

من جهة العالم الاسلامي، اقتصرت، في البداية، الاحتجاجات على البيانات وبعض الخطوات الدبلوماسية باتجاه الحكومة الدنماركية. ثم تصاعدت موجة الاستياء، فدعت منظمات عربية واسلامية الى مقاطعة المنتجات الدنماركية. ووجه وزراء الداخلية العرب نداء الى الحكومة الدنماركية لمعاقبة المسؤولين عن نشر تلك الرسوم. وفي الاسبوع الفائت، جرت تظاهرات في اليمن وأندونيسيا وماليزيا والعراق وباكستان، وفي تونس، تمنى وزير الداخلية السعودي الامير نايف بن عبد العزيز في حديث الى صحيفة "الصباح" التونسية ان يدين الفاتيكان نشر الرسوم، مؤكدا ان هذا الامر لا يعبر عن "حرية الرأي". أما التصعيد الاكبر فقد جاء من المناطق الفلسطينية، ولا سيما من غزة حيث هددت مجموعات فلسطينية مسلحة دول الاتحاد الأوروبي باستهداف رعاياها ومصالحها. وأقفل مسلحون فلسطينيون مكتب الاتحاد الاوروبي من مدينة غزة، كما هددوا بقصف هذا المكتب "وكل المقار الأوروبية والكنائس في غزة".

من جهة العالم الاوروبي، فمن ناحية، تمسك الرأي العام الأوروبي عامة بما اعتبره حقاً من حقوقه في حرية ابداء الرأي ومحاربة التعصب الديني (!). ومن ناحية أخرى، وتأكيداً لهذا الاعتبار، نقلت بعض وسائل الاعلام الاوروبية في المانيا وبريطانيا وفرنسا وغيرها، بعض الرسوم الدنماركية ونشرتها.

تلك هي الصورة العامة للوقائع. ما هي الاستنتاجات والعبر مما حدث؟\ ـ ان ما حدث ليس بأمر جديد. فالمسيحية تعرضت ـ وما زالت ـ لشتى الانتقادات والتشويهات والحملات المغرضة، ومن ابنائها انفسهم. اما الاسلام، فالغرب عامة لم يتوقف حتي اليوم من استعدائه ومحاربته وتشويهه بشتى الاشكال. المسيحية بقيت صامدة. والاسلام بقي صامدا، لا بل ينتشر بشكل واسع لا تعرفه سائر الديانات التقليدية الكبرى، من الضروري ان يدافع المسلمون عن دينهم بالرد على من يسيء اليه. لكن الرد يجب ان يكون مصيباً وفعالاً.

ـ اذا كان الغرب عامة، وخاصة منذ احداث 11 ايلول المشؤومة، راح يخلط ما بين الاسلام ـ وهو في مبادئه وعقائده وقيمه دين السماحة والمحبة والسلام ـ وحفنة من اصوليين مسلمين متطرفين وعنفيين، فعلى المسلمين الا يخلطوا ما بين المسيحية واوروبيين ـ تلصق عليهم خطأ صفة المسيحية ـ هم في الحقيقة متعصبون وقد يكونون غيرمتدينين. ولماذا تصدر عن بعض الجهات الاسلامية الفسطينية تهديدات بقصف "كل المقرات الاوروبية والكنائس في غزة"، لقد تحلى محمود الزهار القيادي في حركة "حماس" بحكمة كبيرة حين تعهد الخميس الماضي، حماية المسيحيين داخل القطاع من أي اعتداء قد يتعرضون له من عناصر مسلحة، اثر تفاعل قضية الرسوم الكاريكاتورية للنبي محمد، وقام، لاجل ذلك، بزيارة مدرسة العائلة المقدسة في غزة.

ـ ان نشر الرسوم المذكورة، كغيره من كتابات وسياسات ومواقف وتصرفات، يجب ادراجه في الموقف العام الذي يقفه الغرب من الاسلام، منذ نشأة هذا الأخير وحتى أيامنا. انه موقف يمكن وصفه بالرفض والتشويش والالتباس وعدم الفهم حتى العداء السافر احيانا. غير ان رفض الغربيين عامة للاسلام وبالتالي للمسلمين، اخذ في السنوات الخمس الاخيرة منحى خطيرا اذ تحول الى مرض يمكن تسميته برهاب او (فوبيا) من الاسلام والمسلمين. لانقول هذا من باب التجني او الافتراض، بل نؤسسه على استقصاءات اجريت في اوروبا ونشرت في وسائل الاعلام.

ومنها الاستقصاء الذي نشرته الطبعة الأوروبية لصحيفة "وول ستريت جورنال"، في 10 كانون الاول 2004، هذا الاستقصاء اجري على عينة من اكثر من عشرة الاف شخص. مما جاء في هذا الاستقصاء ان اكثر من نصف سكان اوروبا الغربية (بنسبة 52 في المئة) يعتقدون ان المسلمين مرفوضون في بلدهم. ويشتد اكثر فأكثر مرض رهاب الاسلام والمسلمين خاصة في السويد (72 في المئة)، وسويسرا، والدنمارك، وبلجيكا، وألمانيا.

ـ ان يتذرع الغرب بحق ابداء الرأي لا يعني السماح بتشويه الحقائق والافتراء. ولماذا لا يطالب الاعلام الغربي بحقه في ابداء الرأي في كل ما يتعلق بالصهيونية واليهودية والهولوكست وغير ذلك؟

ـ احد الردود الاكثر فعالية في التصدي لتشويه الاسلام من قبل وسائل الاعلام الغربية قد يكون قيام اعلام عربي واسلامي باتجاه الغرب يُعرّف بحقيقة الاسلام وينزع علناً ورسمياً صفة الاسلام عن الاصولية العنيفة التي هي مسلك سياسي يرتدي غطاء الاسلام والاسلام منه براء.