امس الاول، وبمناسبة الاحتفال بالذكرى السابعة والخمسين لانشاء البرلمان الاسرائيلي »الكنيست« قال رئيس الوزراء الاسرائيلي بالوكالة ايهود اولمرت ».. ان الهدف الاول للكنيست القادم سيكون ترسيم حدود اسرائيل«!! واضاف.. »ان المهمة الثانية للكنيست بعد الانتخابات التشريعية في 28 آذار المقبل، ستكون وضع دستور على غرار ما فعل البرلمان الاول عام 1948«!! وفي الحقيقة.. ان ثمة صلة شديدة وعميقة بين الامرين: ترسيم الحدود و.. وضع دستور! وكنا في عشرات المقالات والمحاضرات، قد شرحنا واوضحنا الاسباب التي جعلت القائمين على شؤون الدولة الاسرآئيلية وقيادتها، يحجمون عن وضع دستور لهذه الدولة، على الرغم من قيام الكنيست الاول بتشكيل لجنة خاصة لهذا الامر البالغ الاهمية بالنسبة لدولة مثل اسرائيل حديثة الولادة!!. ومع ان تلك اللجنة قد عقدت عشرات الاجتماعات، منذ ذلك الوقت الا ان المحصلة بقيت.. دون نتيجة!

اما السبب في هذا الامتناع، فيعود الى ان وضع مثل هذا الدستور، من شأنه ان يضع الدولة في خانة الاحراج لاكثر من سبب، يأتي في طليعتها تعيين حدود للدولة الطامحة.. والساعية بضراوة للتوسع واغتصاب المزيد من الارض! والارض، هنا، هي ليست اي ارض، بل.. »ارض الميعاد« التي وعد بها »الشعب المختار«.. بالاضافة الى كونها الارض التي نزلت فيها النبوءات التوراتية!! وفي المعتقدات اليهودية، ان اليهودي لا يتم له دين ولا تستكمل ممارسة طقوسه العقائدية الا بالاتحاد الاتنومي في الارض الموعودة!! اما هذه »الارض الموعودة« فتمتد وتتسع ليس الى فلسطين كلها وانما الى كامل الارض الممتدة من الفرات للنيل مرورا بخيبر ويثرب!! وفي التفسير التلمودي فان احدا ما، يهوديا كان او غير يهودي، لا يستطيع بل ليس من حقه ان »يتنازل!« عن شبر منها، تنازلا نهائيا!! ومن هنا، كانت »المرحلية« لبلوغ الصهيونية غاياتها القريبة والبعيدة، جزءا لا يتجزأ من تخطيطها المعتمد!! وفي وصية اليهودي اللورد روتشيلد لامير المنفى ثيودور هرتزل، الحرص على عدم ملء المعدة بطعام لا تستطيع هضمه!!

اليهودية.. باختصار: تعاليم و.. ارض، بهذه المفاهيم ظل الربانيون والحاخامون يغرسون في اذهان الاجيال اليهودية المتعاقبة منذ الفي عام واكثر!! والدستور.. اي دستور لا تنحصر مواده بتعيين حدود الدولة، بل يشتمل، كما هو متعارف عليه في العالم، على جملة من الالتزام بالقواعد والقيم والحقوق الانسانية كما نصت وتنص عليها دساتير الدول ومواثيق المنظمات الدولية، مثل... الحق.. والعدالة وعدم التمييز على اساس من الدين او العرق او اللون او الجنس. والسؤال هنا، هل بوسع المجتمع الاسرائيلي ودولته التي قامت وتقوم على الاغتصاب والارهاب ان يقبلا بمثل هذه القيم والحقوق والقواعد لمواطني الدولة من غير.. اليهود؟!! الجواب.. بالتأكيد.. لا! والدليل هو ان من اسطع مظاهر التعصب الديني والتمييز العنصري الذي تمارسه دولة الشعب المختار، منذ قيامها وحتى اليوم، ما جاء مسجلا على رؤوس الاشهاد في اعلان وثيقة استقلالها في 14/5/1948 وتنص فيه على ضمانة الحريات المختلفة »... على ان الدولة سوف تبنى على مبادىء الحرية والعدل كما يفهمها انبياء اسرائيل«!!، ولك، بعدذلك ان تتصور مضمون هذه المبادىء المتعلقة بقيم الحرية والعدل، لدى الشعب الذي يرى نفسه »مختارا« وان الله لم يخلق باقي البشر على صورته الا ليكون لائقا بخدمة شعبه!! ومن الطرافة.. حتى لا نقول الغرابة، ان الدول الكبرى المتمدنة العلمانية، تعترف لاسرائيل بذلك ولا ترى فيه شذوذا ولا انتهاكا للحقوق والمواثيق الدولية!! وكان رئيس وزراء اسرائيل السابق باراك قد وعد بما يعد به الآن اولمرت حول الدستور وضرورة وضعه، ولكنه مضى دون ان يستطيع فعل شيء، ولا نظن ان نصيب اولمرت سيكون افضل!!