غازي قهوجي/الكفاح العربي

ايام طفولتنا الغابرة كان «الكبيس» و«المخلَّل», او ما يسمى «الطرشي» بلغة المرحوم الطيب الذكر السلطان التركي «سليم الفاتح», من البضاعة التي يجول البائعون بها في الحارات والساحات والطرقات, كما يجول ­ اليوم ­ بائعو الكعك والترمس والذرة بقسميها «الحضاريين» المسلوق والمشوي!!

وكنا بلهفة وشوق و حماس نفضِّل من بين جميع انواع واصناف «المكابيس» ان نأكل بشهية فيها كل تجليات «التلمُّظ» مخلَّل «اللفت» ذا اللون الارجواني الزهري الوردي البنفسجي الداكن. ايام مَضَتْ, نستذكر الآن رحيق «كبيسها» وجمالية.. «ضغطها»!! ويُقال ­ وما اكثر ما يقول العرب ­ إن أجدادنا الاشاوس الميامين, ومنذ ايام اطلاق ونشر اشعار «المعلَّقات» قد عرفوا «المخلَّلات»! بكل أسرارها وتقنياتها وحتى «مخابراتها»!! حيث سَجَّل لهم المستشرقون كامل جهودهم واجتهاداتهم في «الكبس» ومهاراتهم في «الضغط»! وبراعتهم في «الخَنْق»! ونجاحهم المبين في «التفطيس»!! ومع الخبرة وطول العهود, تماشت تلك المواصفات «الرائعة» مع تفكيرهم, وتوازت وتناظرت مع سلوكياتهم ورؤاهم الاجتماعية والفنية, بل والسياسية! وظهر ذاك الابداع «الايديولوجي» جلياً ناصعاً في «المخلَّل» الاجتماعي, و«الطرشي» الفني, و«المكدوس» السياسي!!! ومع ان «هوانا وغرامنا ومنانا» بقي متجهاً نحو «اللفت», على اساس ان القضايا المصيرية يلزمها دائماً «لفت نظر»! و«المكدوس» هذا الابتكارا لمدهش ما زال يُعتبر من الركائز «النضالية» الثابتة في المسيرة القومية المظفّرة, وذلك برغم عدم تصنيفه في علم «المخلَّلات»! إلا ان حصر وجوده في «قطرميزات» ومراتبين وبراميل مقفلة باحكام, قد خلق قاسماً مشتركاً وحميماً بينه وبين سائر المكابيس.

ومنذ قرون وقرون, تصدَّر «الباذنجان» المكدوس دون منازع القائمة الذهبية للمكابيس بجماهيرية حاشدة ضخمة واسعة, وذلك لعلوّ كعبه وتميّزه بطرق ووسائل تجهيزه من جهة, ولاحتوائه عل« نِعَمْ» وبركات الجوز والفلفل والزيت من جهة ثانية!! ومن «الفعل» العربي الاصيل «كدَّس» جاءت بكل فخر وافتخار كلمة «مكدوس»!! وَوَرَد في بطون كتب التراث «الجادَّة» شروحات لا يعيها, ولا يستوعبها إلا كل ذي علم ورؤيا واستشعار! عن عمليات وسير ومسار معالجة وطبخ «المكدوس»!! وَرَوَت ­ حفظها الله ­ العزيزة الصديقة سعاد جروس, نقلاً عن العلاَّمة الذوّاقة «قطرميز السناكحلي»! ما يإتي: يُسلق الباذنجان ذو الاحجام الصغيرة, والتي تكاد تكون مخصصة للمكدوس, نصف سَلْقَه, تمهيداً, لعصره عصراً كاملاً, يُملّح ويُرَصّ فوق بعضه البعض, ويُلفّ في شرشف قطني او «أغباني» متين خالٍ من الثقوب والخروق والاختراق, ثم «تُكدَّس» فوقه «الأوزان» الثقيلة بشكل تدريجي تصاعدي يوماً بعد آخر, على اساس ان «الباذنجان» صبور, جلود و«راضي بنصيبه وقدره»! و«اللي مكتوب على الجبين لازم تشوفه العين»!! هكذا وامام زيادة الضغوط تُستبعد «المكدوسات» الناتئة والمنهكة والمنهنهة, حتى تتحوَّل جميع «المكدوسات» الى رقائق اشبه بمغلفات ورقية لا تحتوي على ذرة ماء او دماء, او حتى «حياء»!! وجاهزة للتعبئة والالتهام! يبقى ان المضحك المبكي, والواقع القاسي الحرّاق, انه بدون «ضغط», ما في «مكدوس»!! وسلّم لي عالباتنجان!!!