لم يكن ممكناً أن يخرج الجيش السوري من لبنان من دون أن يسقط الإجماع اللفظي على المقاومة. فقد شكّلت المقاومة وقدسيّتها واحداً من محرّمات المرحلة السابقة. بالطبع لم يكن هناك إجماع وطني على المقاومة. كان ثمّة إجماع وطنيّ على استحالة الاعتراض على الإجماع اللفظي على المقاومة. تمّ كسر هذا الإجماع. رضي السيّد حسن نصر الله بالنتيجة. أضاف محقاً، وإن متأخّراً، أنّ الحركات المقاومة لم تحظَ على مدار التاريخ بأيّ إجماع حولها. لا يصحّ هذا الكلام بقدر ما يصحّ على أرض تشكّل الطائفية قنوات تعبيرها السياسي.

إذاً، تحوّلت المقاومة إلى خيار سياسي بعدما كُسِرت <<قدسيّتها>>. إلا أنّ من اعترض على <<تقديس>> المقاومة وسلاحها، قام بذلك بحجة أنّ ما من <<مقدّس>> إلا الوطن نفسه. بكلام آخر، إنّ القدسيّة تُنزَع عن المقاومة من أجل أن تُضفى على السيادة الوطنية والاستقلال الوطني. بكلام آخر، تنزَع القدسية عن عمامة حسن نصر الله، لتنتقل إلى هامة وليد جنبلاط. بكلام آخر، إنّ لبنانيي الثامن من آذار هم أصحاب خيار سياسي، أمّا لبنانيّو الرابع عشر من آذار فأصحاب قضية مقدّسة.

غنيّ عن القول انّ ما ينطبق على الحركات المقاومة ينطبق أيضاً على الحركات الاستقلالية. أي أنّ الحركات الاستقلالية أيضاً لم تحظَ يوماً بإجماع وطني. فكيف إذا حدث ذلك الاستقلال على متن قرار دولي استصدره محتلو العراق ومنتدبو لبنان السابقون، وكيف إذا أصبح جزء أساسي من الحركة الاستقلالية خارج تلك الحركة، وكيف إذا كان هناك خلاف على توصيف المستقَل عنه: هل هو محتل فعلاً؟ أم عدوّ؟ أم وصيّ نعرف متى انتهت وصايته، لكنّنا نختلف متى ابتدأت. لذا، الحريّ بقوى التحالف الحاكم أن تكفّ عن ادّعاء تمثيلها لإجماع وطني، وأن تتصرّف هي الأخرى كصاحبة خيار سياسيّ. وذلك يتطلّب أساساً توضيح هذا الخيار. لا تستطيع تلك القوى أن تمضي من فصل مسرحي إلى آخر، ومن توزيع أدوار إلى آخر، ممتطية حركة الرابع عشر من آذار، كأنّ ذلك عنوان كافٍ لنعرف إلى أين ينوي <<الفرسان الثلاثة>> قيادة البلد.

ثمّة أسئلة بديهية حول الخيارات السياسية للقوى الحاكمة، تحتاج إلى إجابات واضحة، منها: هل قوى التحالف الحاكم مع التنفيذ الكامل لبنود القرار 1559، وتطرح تالياً الحوار حول آلية التنفيذ، أم أنّها ترى أنّ نتيجة الحوار قد تكون رفض اللبنانيين لهذا القرار أو لشق منه؟ هل قوى التحالف الحاكم تملك رؤية موحّدة حول الوضع الاقتصادي والمعيشي؟ أي، هل بينها من يعتبر أنّ هيكلة الاقتصاد اللبناني التي تمّت بعد الحرب قد تمّت على أسس لم تراعِ أبسط قواعد العدالة بين اللبنانيين، أم أنّ كافّة تلك القوى تتبنّى الرأي القائل إنّ ثمّة مشروعاً إصلاحياً عصياً على النقد قد توقّف مع مجيء إميل لحود إلى السلطة، وإنّ علينا الآن استكماله من حيث توقّف؟ هل أصبح إسقاط النظام السوري من ضمن جدول أعمال القوى الحاكمة؟ هل من خطة لذلك؟ إذا كان الجواب سلبياً، فهل ثمّة من هو منتبه الى أن التعاطي بخفّة مع هذا الموضوع ما عاد يُحتمَل؟ هل أصدقاء سوريا وحلفاؤها في لبنان هم مصنَّفون في خانة العملاء أم أنّ ثمّة من يعتبر أنّ علاقات سوريا اللبنانية هي جزء من الواقع السياسي اللبناني؟ ثمّة معارضة ظرفية بدأت تتشكّل وفقاً لورقة تفاهم. ما هو غير واضح، في وجه مَن أو وجه ماذا تقف هذه المعارضة؟ الأمر شبيه بمسرح دفع المتفرّجون فيه ثمن البطاقات غالياً، وهم ينتظرون في الصالة. لكنّ الفرقة لم تحضر. ولإلهاء الجمهور، تمّ إطلاق عروض بهلوانية.