أصبح الشارع العربي موضع اختبار للسياسات الجديدة التي تريد بعض دول الغرب تطبيقها على الأنظمة الإسلامية والعربية. وقبل عشر سنوات فقط كانت الدعوة أو الخروج أو المشاركة في مظاهرات شعبية عامة أمراً نادراً أو محدوداً.

ويتطلب في كثير من الأحيان الحصول على التصاريح المسبقة من قبل النظام الحاكم. وكان الكثيرون يتهيبون أو يخشون الخروج في أي مظاهرة شعبية أيا كان طابعها وهدفها، حيث ارتبط اسم «المظاهرات» بالاحتجاج على سياسات وقرارات النظام القائم، بل قد تأخذ معنى أكثر حدة وإثارة ألا وهو النهوض (ضد) تلك السياسات..

والذي قد يفسر بأنه بداية ثورة شعبية ضد النظام نفسه!بينما المظاهرات في حقيقة الأمر حق عام من حقوق الشعوب كالخبز والماء والهواء شريطة الالتزام بالقواعد التي تنظمها. وكثيراً ما كانت المظاهرات أو التظاهرات تقوم في الدول الإسلامية ودول العالم الثالث بتحريك من الأنظمة الحاكمة نفسها.

لذا، لم تقم تلك المظاهرات لتغيير بعض القوانين أو لسن قوانين جديدة تصلح من حياة ووضع المواطن بقدر ما هي لدعم النظام نفسه كما حدث في العراق زمن النظام السابق! وفي السابق أيضا لم تكن المظاهرات تتعدى المئات من المتظاهرين. فكانت تبدأ سلمية لتنتهي بسلام. وتبقى الأوضاع كما كانت عليه.

وعرف الشارع العربي بعض المظاهرات التي لم تتعد المطالبة بالإبقاء على تسعيرة الخبز مثلا! وكانت تلك أقصى متطلباته الأساسية.. ثم امتد إلى مجالات أخرى.. أكثر من الخبز.. وأكثر رمزية.. وأقرب إلى الشكل السياسي من المظاهرات البدائية:

فأصبح الشارع الإسلامي والعربي يخرج للتنديد بالاحتلال الإسرائيلي والسياسة الأميركية والغربية غير العادلة ضد الشعوب المسلمة وعلى رأسها قضية فلسطين واحتلال العراق.

ولم يكن العالم الغربي بأجمعه بما فيه الولايات المتحدة الأميركية يهتز أو يتأثر بتلك المسيرات والاحتجاجات التي يغلب عليها طابع الهتافات الرنانة والشعارات المتكررة والتي تنتهي بحرق العلمين الأميركي والإسرائيلي أمام عدسات الصحافيين والمراسلين العالميين. لأنه كان يعلم حق اليقين بأن هذه المظاهرات لا تستطيع ولن تستطيع أن تؤثر في مصالحه أو في انتخاباته فيما لو أنها حصلت على أرض الولايات المتحدة نفسها.

وظل الشارع الإسلامي والعربي لفترة طويلة من الزمن غير قادر على استغلال قدراته التأثيرية في السياسات الداخلية أو الخارجية. وربما كان غير واثق من تلك القدرات بل ومن نفسه أيضا في ظل أنظمة لن تتردد في استخدام أبشع أنواع العقوبات لردعه عن تكرار المحاولة إن هي مست الخطوط الحمر التي رسمها له والتي قد تمس كرسي الحكم أو نظامه.

غير أن لكل زمن دولة ورجال. وكان يكفي بأن تتعدى تلك المظاهرات الخطوط الحمر بوصة واحدة ولمرة واحدة فقط لكي تتكرر المحاولة بدافع الجرأة: أي أنها مسألة نفسية لا أكثر. وخاصة بعد أن نشرت الولايات المتحدة الأميركية أساطيلها العسكرية من المحيط إلى الخليج لتحيط بالعالمين العربي والإسلامي من جميع الجهات.

وبعد أن كانت سياستها في السابق وحتى انتخاب بوش الابن تقوم على الحفاظ على تلك الأنظمة التي (تبيض ذهبا) وعدم ذبحها وتغذيتها ليل نهار بأفضل الأسلحة المتطورة (طبعا ليس مجانا ولكن بمليارات الدولارات) لقمع أي مظاهرة تقوم، اضطرت تحت وطأة مظاهرات الإعلام الغربي الذي صاحب احتلال العراق، ولتبرير خطأها الفادح الذي ارتكبته عن قصد في احتلاله.

وتصفيته ودكه إلى مستوى سطح الأرض، بدعوى نشر الحرية والديمقراطية في الشرق الأوسط الذي تحول فجأة - لديهم - من مصدر أساسي للنفط الغربي إلى مصدر رئيسي للإرهاب العالمي، إلى بذل الملايين من الدولارات لنشر فكرة الديمقراطية الغربية بين دول العالمين الإسلامي والعربي (دون أي عالم آسيوي وأفريقي آخر)، وأنشأت قنواتها الإعلامية المتخصصة لدفع هذه المسيرة.

وصدق بوش بنفسه الكذبة التي فبركها! وكان عليه أن لا يكذب طوال الوقت لكي لا يخسر نفسه. فظل مؤيدا ومدافعا عن فكرة الشرق الأوسط الكبير ونشر الديمقراطية من خلال الإصلاح السياسي والدفاع عن حقوق الإنسان .

فأحس الشارع العربي بأن الفرصة أصبحت مواتية، وأنه مسنود على الأقل بتلك (الكذبة) الصغيرة، خاصة وأن الدول الصناعية الثماني قد أقرت ذلك المشروع عام 2004، أي أنه أصبح مشروعا دوليا؛ وصدقت كثير من الأنظمة جدية الولايات المتحدة .

ومن يتبعها في تطبيقها وأنها لن تتوانى في استخدام تلك الورقة متى شاءت وأين تشاء، خاصة وأن عقدة «مصير صدام« تغلغلت في نفوس الكثيرين من الذين يخشون على أنفسهم نفس المصير. وكان الشارعان الإسلامي والعربي من الذكاء بحيث لم يفوتا هذه الفرصة النادرة.

وهنا دخل الشارع الإسلامي والعربي مرحلة جديدة من تاريخ المسيرات التي أخذت شكل الضغط على الحكومات والتعبير الصريح عن رفضها ومخالفتها لأي سياسة أو قانون أو نظام قائم لا يخدم مصلحة المواطن أو حتى يمس رموزه! ووصلت إلى حد ليس فقط تعدت فيه الخطوط الحمر التي رسمتها الأنظمة لها بل إلى الخروج عن النظام كله.

وليس أدل على ذلك من المظاهرات التي عمت مصر أثناء الانتخابات النيابية الأخيرة والتي تحولت فيها المسيرات إلى صدامات دامية خلفت عشرات القتلى ومئات الجرحى. وربما هي حادثة نادرة في تاريخ الانتخابات العربية والمصرية بالذات.

ومروراً بلبنان وما شهدته من مسيرات قدرت بمئات الآلاف من البشر للاحتجاج مرة على التدخل الأميركي في الشأن اللبناني ومرة ضد التدخل السوري.

وظلت تلك المظاهرات تقوم بين يوم وآخر بأعداد لا أول لها ولا آخر تعبيراً عن غضب الشارع الإسلامي والعربي وتعبيرا عن حرية الرأي. ولبنان رغم حرية التعبير التي عرفت عنه إلا أنه لم يشهد مثل تلك المسيرات إلا في السنوات الأخيرة.

وربما كانت المظاهرات التي تفجرت في العالم الإسلامي لتضرب في كل أنحاء العالم احتجاجا صارخا على نشر الرسومات التي تمس من كرامة النبي محمد صلى الله عليه وسلم لها من الدلائل ما لا يمكن تلخيصه هنا.

وربما تكون هذه المظاهرات التي وصلت إلى حد لم نشهد له مثيلا من قبل في التاريخ الإسلامي والعربي بداية لمنعطف آخر في مسار التغيرات التي تشهدها ساحة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، بين الصحوة والتغيير والرفض المشوب بالحنق والغضب ونفاد الصبر.

والذي تعجز الحكومات والأنظمة على إيقافه. وربما لاحظنا أيضا أن معظم تلك المظاهرات ذات الطابع الشعبي المكثف والجريء تميزت بكونها مدفوعة بالحماس الديني الإسلامي الجديد.

. ويقودها أو قادها خطباء بلغاء مؤثرون وذوو شعبية كرزماتية ممتدة وواسعة يصعب التعرض لهم بأذى كالشهيد أحمد ياسين في فلسطين، والسيد حسن نصر الله في لبنان... وغيرهم ممن فضلوا العمل في الظل. إن الذين عاصروا الأيام الأولى من قيام اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1971 ربما عاصروا واحدة من المظاهرات (السياسية) من نوع خاص، وقد تحركت من إمارة الشارقة وشارك فيها طلبة المدارس برمتهم احتجاجاً على احتلال الجزر الإماراتية.

وبين تلك المظاهرة الصغيرة وما يحدث الآن على جغرافية العالم الإسلامي فارق كبير في الكم و الكيف والهدف والمسار! فقد أوصلت المظاهرات الأخيرة المستمرة إلى هذه اللحظة في العالم الإسلامي القضية إلى المقاطعة الاقتصادية التي كلفت بعض الدول مليارات الدولارات وأجبرت زعماء دول أخرى إلى تقديم الاعتذارات إلى مسلمي العالم، بل إلى طلب إحالة الأمر إلى منصة الأمم المتحدة!