تبدأ كوندوليزا رايس جولة في المنطقة ستشبه الى حد كبير جولاتها السابقة، أي أنها معلنة مسبقاً للتشاور بما يفترض الحوار لاستنباط أفكار جديدة. لكن السوابق برهنت أنه حوار كل من له رأي يبقى على رأيه، ولا يكون أمام المسؤولين العرب سوى أن يأخذوا علماً بالمواقف الأميركية التي لا يعدّلها التشاور ولا يبدلها الحوار.على رغم أن أضواء كثيرة مسلطة على الملف النووي الإيراني، فإن هدف جولة الوزيرة الأميركية هو تشديد القبضة والحصار على حركة «حماس» التي أصبحت الآن جزءاً من السلطة الفلسطينية. سيكون لدى رايس ما تقوله عن إيران، وعلى رغم وضوح الموقف الأميركي ضد طهران، إلا أن واشنطن لم تبلور بعد سياسة نهائية في هذا المجال. هناك تصعيد سياسي مرفق باستمرار التمنيات بإيجاد حلول ديبلوماسية. هناك اشارات الى الشروع في دعم تنظيمات إيرانية معارضة، لكن هناك اتصالات مع طهران أبقيت بعيدة عن الأضواء فلم يتضح هل تقدمت أو فشلت أو إذا كانت مقتصرة فقط على ضبط قواعد لعبة النفوذ في العراق.

إذاً، هي جولة موجهة ضد سلطة «حماس»، وأغرب ما فيها أن موضوع «تشجيع نشر الديموقراطية» على جدول أعمالها، علماً أن الإدارة الأميركية تتجاهل أن «حماس» فازت في اختبار ديموقراطي لا غبار عليه. وان تكون إسرائيل والولايات المتحدة تعتبران أن هذه الحركة «إرهابية»، وانها مطالبة بـ «نبذ العنف» و «الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود»، فهذا لا يغير شيئاً في حقائق أن «حماس» جزء من المجتمع الفلسطيني، وانها تخوض معركة ضد الاحتلال الإسرائيلي ولم يسبق ان ارتكبت أي عمل عنفي خارج هذا الإطار. وإذا كان هناك رفض لنهج العمليات الفدائية التي تبنتها، فإن الرفض - خصوصاً الأميركي - لم يكن يوماً بالحدة والشدة نفسيهما حيال عمليات الاغتيال التي اتبعتها إسرائيل كسياسة حكومية معلنة. رايس لم تأتِ للتشاور في ما يمكن أن تفعله أميركا في مواجهة «حماس»، وإنما سبقتها قرارات بوقف المعونات المالية، بل باسترجاع معونة كانت مخصصة للبنية التحتية في الضفة الغربية وقطاع غزة. ولا شك أنها ستشجع من تلتقيهم على التمثل بالموقف الأميركي، وكذلك بالموقف الإسرائيلي الذي خطا أمس خطوته الأولى نحو سلسلة عقوبات اقتصادية وأمنية. وبديهي أن هذه العقوبات الأميركية والإسرائيلية تستهدف الشعب الفلسطيني. الأكثر بداهة انها عقوبات على خلفية الخيار الانتخابي لهذا الشعب، مما يعني أنه مستثنى من سياسة «تشجيع نشر الديموقراطية»، عملاً باستثناء اسرائيل من أي لوم أو إدانة أو حتى تذكير بأنها لا تزال تحتل الأرض الفلسطينية من الطبيعي ان تقطع واشنطن معوناتها في سياق انحيازها الدائم لاسرائيل، لكن يصعب تصور أن محاوري الدكتورة رايس سيجارونها في اي إجراء مجحف هدفه في النهاية تجويع الناس وإفساد حياتهم أكثر مما هي بائسة

. الأجدى ان يفتح التشاور والحوار، إذا كانا متاحين فعلاً، لتحليل اسباب فوز «حماس» في الانتخابات. وفي العادة لا يحب الاميركيون هذا النوع من البحث، لأنه سيصل بالضرورة الى أخطاء السياسات التي عوملت بها السلطة الفلسطينية منذ بدء تطبيق «اتفاقات اوسلو» حتى الآن وكالعادة ايضاً لا يحبذ الأميركيون اي بحث في تصويب تلك السياسات، فطالما انها سياسات اسرائيلية فإنها في نظرهم صائبة ولا جدال فيهاحكومة اسرائيل تقول الآن، تبريراً للعقوبات، ان السلطة الفلسطينية اصبحت بحكم الأمر الواقع «سلطة ارهابية» لن تقبل بها. طبعاً لن تسألها واشنطن ماذا عن العقوبات والاجتياحات والاغتيالات وتوسيع المستوطنات عندما كانت السلطة مقبولة وغير إرهابية، بل ماذا عن قطع المفاوضات والانسحاب الأحادي الجانب من غزة الذي تجاهل السلطة «المقبولة». لا شك ان المعاملة الفاشلة التي خصصها الاميركيون والاسرائيليون للسلطة، في عهد ياسر عرفات كما في عهد محمود عباس، هي التي أدت الى اختيار «حماس» أملاً في التغيير ورداً على الإجحاف.