لا شكّ أنّ ذكرى اغتيال الرئيس الحريري كانت مناسبة لتجديد العهد. العهد بتأكيد الالتزام بتلازم المسارين اللبناني والسوري. فطيلة العام الفائت، وعلى وقع تدهور العلاقات بين البلدين، شهدت سوريا عدداً من الأعمال السياسية الفنية من أغنيات ومسرحيات وكتابات وعروض تلفزيونية لا تفوح منها إلا رائحة الابتذال. أمّا في الجانب اللبناني، فقد تمّ اعتماد مسار متفوّق تقنياً، من دون أن يكون أقلّ ابتذالاً. ربّما كان على أحد ما أن يؤرشف هذه الأعمال. غير أنّ ما يتأكّد يوماً بعد يوم هو أنّ أبطال الاستقلال اللبناني قد حسموا أمرهم، واعتبروا أنّ قضية تلازم المسارين أكثر أهمية وخطورة من أن تترك لحفنة من الفنانين والعاملين في حقل التلفزيون. فقرّروا أن تكون لهم مساهمات مباشرة في هذا المجال.

العرض الأوّل كان مشتركاً بين أبطال الاستقلال وإحدى شاشاتهم التلفزيونية. غير أنّ دور البطولة اقتصر على الوقوف خلف الستارة، وإخلاء الشاشة للأعداء في <<كليب>> يظهر وجوهاً من الحقبة السابقة يطلقون التصاريح والهتافات الممجوجة، قبل أن تظهر على الشاشة عبارة: <<بدّك ترجع لَوَرَا؟>>. يملك <<الكليب>> أسباباً وجيهة لطرح السؤال هذا. لكنّ ما يغيب عنه هو أنّ الإجابة لن تكون مختلفة كثيراً في ما لو أظهر <<الكليب>> من هم خلف الستارة، وطرح السؤال البديل: <<بدّك تقدّم لقدّام؟>>. في العرض الثاني، خرج الأبطال من العتمة إلى الضوء ليقدّموا عرضاً مسرحياً هذه المرّة، تولّى التلفزيون نقله مباشرة على الهواء. حدث ذلك يوم الرابع عشر من شباط. لم يقتصر العرض على تأدية النصوص المعدّة، إنما تعدّاه إلى ارتجال طال النص كما حركة الممثّلين. انتهى العرض بتشابك للأيدي تأكيداً على الوحدة الوطنية في مشهد مماثل لخاتمة المسرحية السورية التي تعرض حالياً في دمشق تحت عنوان <<قيام، جلوس، سكوت>> (عرضت قناة <<العربية>> أجزاء منها أمس الأوّل)، والتي تنتهي بمشهد الأعلام السورية المرفوعة مع شعار <<إذا ما بيخلونا نعرف نعيش، نحنا منعرف كيف نموت>>. ويضع الممثّل يده فوق قلبه.

العرض الثالث لم يشترك فيه الأبطال. فهو لا يحوي عنفوان العرض الثاني ولا حماسته. إنّه عرض حزين من النوع الذي ينتهي بالتصفيق، إنّما مترافقاً مع بعض الدموع. لذا، تولّى العرض ممثّلون ثانويّون. كان المطلوب أن يقدّموا كراماتهم قرابين من أجل القيامة. فادّعوا على أنفسهم بوصفهم غير مؤهّلين لتمثيل شعب لبنان أوّلاً. ينتهي الحزن هنا. وقفة. وبصفة عدم أهليّتهم هذه، طالبوا بنزع الأهلية عمّن هو غير مؤهّل لتبوّء منصبه. ثمّ تصفيق ما أن أعلنوا أنّ كلّ ذلك لا يثنيهم عن التنازل والقبول بتمثيل شعب لبنان أوّلاً مرّة ثانية.

العرض الرابع لا يتحمّل الأبطال مسؤوليّته. فهو من صنع أميركيّ، وأداء أميركي. فقد تمّ الاتفاق على تنظيم زيارة من أجل دعم المسيرة الديموقراطية في لبنان. افتتحت جولة دعم الديموقراطية بزيارة إلى مرجع لا يستمدّ قوته من الشرعية الشعبية. انقلاب أميركي آخر على نتائج انتخابات ديموقراطية. العرض الخامس. يقف البطل وحيداً ويعلن: <<أنا تغيّرت>>. ثمّ يضحك. العرض الأخير، وليس الآخر، كان سيّئ الإخراج فعلاً. تمّ الاكتشاف فجأة أنّ ثمّة عطباً هندسياً في مقرّ مجلس الوزراء. المبنى غير مجهّز ضدّ الزلازل. خمس درجات ريخترية قد تصدّع المبنى برمّته. أصيب الجميع بالذهول، لا خوفاً على حياتهم، بل على شعب لبنان أوّلاً، من بعدهم. طالبوا بنقل اجتماعهم إلى القصر الجمهوري. تمّت الموافقة. فتوجّه الجميع، كمن يهرب من صف مدرسي، للتنزّه في ساحة البرج. السبب، كما قالوا، أنّ ما من أحد في بعبدا. القصر خالٍ. القصر خالٍ حقاً. أمّا العرض، فمتواصل. خصوصاً أنّ ثمّة من يعتبر أنّ قصراً على الضفّة الأخرى يسكنه، بحسب بعض الحقوقيين العرب، <<ناصر القرن الواحد والعشرين>>!