يتطور الصراع في العراق وعليه الى حرب مفتوحة، تشارك فيها أكثر فأكثر قوى خارجية، دولية وإقليمية، متنوعة، وتعمل على تصعيدها أوساط وأطراف داخلية مختلفة تستمد قوتها من انقسامات المجتمع العراقي، التي كان يقال انها محدودة، لكنه يبدو أن الطابع الدمجي/القسري، الذي يميّز نظام الاستبداد، حجبها وحسب عن أعيننا، بينما كانت تتفاقم وتزداد عمقاً وخطورة، وتنتظر من يفجرها، فجاء الأميركيون وفجروها.

إنها حرب مفتوحة إذن، يعجز الاحتلال عن كبح جماحها تارة، ويؤججها ويفيد منها تارة أخرى، بينما يلقي الأطراف الاقليميون، الخائفون بدورهم، مزيداً من الحطب والوقود على نارها، وتستخدمها قوى عراقية لتصفية حساباتها أو للضغط من أجل تلبية مطالب خاصة بها، لا بديل لتحقيقها غير توسع الصراع واستعاره والتهامه ما بقي في العراق من بشر وعمران. بلغت الحرب في الأيام الأخيرة ذروة كان قلة فقط، يعتقدون أنها ستصل إليها، حين قام مجهولون بتفجير قبة مقامي الامامين علي المهدي وحسن العسكري، لإجبار ملايين المسلمين الشيعة على الخروج عن طاعة العقلاء منهم وعن طورهم، وعلى الاستسلام لنزعات القتل والدم والثأر والانتقام، وجرّ العراق الى مقتلة عامة لا تبقي ولا تذر، لأن ما ستنتجه من اقتتال بين الأخ وأخيه لن يتوقف عند أحد، أو حد، بحيث يكون لخروج أميركا ـ الذي كثر الحديث عنه ـ من العراق معنى خروجه من التاريخ ودخوله في عالم قاتل لا قبل له وللمشرق به، يشبه جرحاً يستنزف عافية جسمه العليل، ويورده موارد التهلكة.

وبالفعل، فقد جاءت ردود الأفعال قريبة مما توقعه المجرمون، فقد قتل بشر كثيرون ذنبهم أنهم من مذهب مختلف، مع أنهم لم ينسفوا بيتاً، أو يهاجموا بريئاً، أو يطلقوا النار على أحد، أو يهدموا مزاراً... إلخ، بل كانوا في المسجد الآخر أو في الشارع الآخر، دون سلاح ومواد ناسفة، وإلا لما تمكن منهم ولما فتك بهم أحد. الى جانب القتل، انطلقت نداءات التعبئة العامة في كل مكان، ولولا لطف الله ومبادرة بعض العقلاء، لاتسع نطاق القتل ولشمل المدن والقرى، ولطال حتى النساء والأطفال والشيوخ، ولاشتعل العراق من شرقه الى غربه، ومن شماله الى جنوبه، ولعبر بعض شرر ناره الحدود الى البلدان المجاورة، حيث الجو معد والحطب جاهز. ثمة أنماط أربعة من العنف يمكن ملاحظتها في حاضر العرب والمسلمين الراهن، هي: العنف ضمن الصف الاسلامي الواحد، والعنف بين المسلمين عموماً، والعنف بينهم وبين المختلف في العقيدة، وخاصة منه الأجنبي. لئن كان نمط العنف الأول يأخذ صورة تكفير المخالفين في القراءة أو التفسير من المسلمين، فان نمطه الثاني يأخذ صورة انشقاق عميق لا يفتأ يتعمق بين أهل السنة والجماعة وبين الشيعة، بينما يتجلى النمط الثالث في حروب منظمة تقوم بها أميركا ضد العرب والمسلمين، الذين يردون عليها بـ"غزوات" متفرّقة، ينجح بعضها ويفشل معظمها، فإذا أضفنا هذه الأنماط الثلاثة إلى العنف الذي أنجبته نظم الاستبداد القائمة في كل مكان من عالم العرب والمسلمين، اكتملت أمامنا صورة وضع يجنح الى تكريس العنف "فوق" باعتباره سياسة رسمية وشرعية، ويهدد بتكريسه "تحت" كموقف إيماني أو جهاد أخير، يتوقف عليه مستقبل الدين كما يراه أهل المذاهب: أي باعتباره مذهبهم الخاص.

يضفي هذا الواقع أبعاداً خطيرة على الحرب المفتوحة، التي تزيد في أيامنا العنف ضراوة، وتمثل حقبة تختلف في شدتها عن الحقب العصبية التي اجتزناها، ستفتك بملايين البشر العاديين والعزل، وستمتد لزمن غير محدود، قد يضع مفاتيحها بيد الغير، أي أميركا، التي يبدو أنها المحرّض الأكبر على هذه الحرب. فجر الأميركيون برميل البارود في العالمين العربي والاسلامي، بمجرد أن وطأت أقدام جنودهم أرضهما في أفغانستان والعراق، واليوم، تتولى قوى غامضة، تعيش في ظلام التعصب والجهل، إشراك كل عربي ومسلم في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل، ستكون في النهاية الحرب الارهابية الحقيقية الوحيدة، لأنه لن يبقى بعدها شيء، ليكون بالامكان محاربته، أو تهديد أميركا به. كم من الوقت يفصلنا عن الانفجار القادم، الذي لن يكون بوسع أحد منع تحوّله الى مزيد من الحرب المفتوحة؟ وفي أي مكان مقدس سيقع هذا الانفجار، وهل بقي لدينا ما يكفي من العقل والقوة لمنعه؟