د معن أبو نوار

في دورتين تدريب شاركت فيهما خلال عام 1967؛ واحدة في بريطانيا ، والأخرى في أمريكا ، وخلال الحرب الباردة التي كانت تستعر في العالم ، عرفت أن الصدق والشفافية في بث المعلومات الكاملة حول المواقف السياسية أو الدفاعية القائمة بكل عناصرها ، من قبل أية حكومة ، وقادة الرأي السياسي، والمؤسسات الإعلامية المطبوعة والمسموعة والمرئية ، إلى شعبها ، ضرورة حيوية هامة لا غنى عنها لنجاح أية حكومة في مواجهة أية صعوبات أو تحديات قد تنجم عن تلك المواقف مهما كانت ، سواء قبل قيامها ، أو خلال قيامها ، أو عند قيام نتائجها أو تداعياتها. كما عرفت أن الصدق والشفافية في بث المعلومات الكاملة ، هي الرادع الأهم من أي رادع آخر ضد وقوع أية حكومة وشعبها في هاوية فقدان الثقة المتبادلة بينهما ، وما ينجم عن ذلك من أخطار ضد الأمن والاستقرار والسلام الوطني ، وضد وحدة الإرادة الوطنية وحصانتها.

كما عرفت أن وقوع أي شعب في دوامة مفاجأة لم يتوقعها ، ولم يكن مستعدا لمواجهتها ، مهما كانت قوته ومنعته ووحدة إرادته الوطنية وحصانتها ، تؤدي عادة إلى إصابة روحه المعنوية ، وحصانته النفسية ، فلا تنفع في معالجة حالته المعنوية والنفسية أية خطة أو وسيلة ، مما يحضه على لوم حكومته ، والمسؤولين عن حمايته ، من كل إصابة مهما كانت طفيفة.

قد يقال أننا نعيش في عصر ثورة المعلومات ، والأخبار الفورية عبر الأقمار الصناعية ، وشبكات البث الإلكتروني ، التي نشاهد بواسطتها الأحداث حية ، ونتابع تداعياتها وتطورها ونتائجها ، ولذلك لا يمكن إخفاء أي حدث أو موقف أو حال يقع في أي مكان في الكرة الأرضية. وقد يقال أن الحكومة ، أية حكومة ، ليست في حاجة إلى تكرار ما يشاهد المواطن على شاشته الصغيرة. لكن ذلك لا يشكل إلا قسما ضئيلا الحقيقة ، ولا يعفيها من مسؤولية توضيح حقائق المواقف التي تعني شعبها في جميع شرائحة السياسية والثقافية والاجتماعية والدفاعية والأمنية. وأهم من ذلك ، وبصورة خاصة ، إذا رافقت ذلك الحدث أو الموقف أو الحال عملية حرب نفسية تهدف إلى تدمير معنويات الشعب ، أو إذلاله ، أو إثارة النقمة على حكومته ، أو فرض خضوعه أو تجاوبه مع إرادة الدولة التي تشن الحرب النفسية عليه. لا يوجد مثل أوضح ، ولا حالة أفصح ، ولا موقف أكبر دلالة على هذه الحقائق النفسية ، من أحوال ومواقف الأمة العربية خاصة جامعة الدول العربية ، في هذه الأيام العجاف التي نعيشها : الجرائم الإسرائيلية ضد الإنسانية في فلسطين ، وحرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على الشعب العربي الفلسطيني ، ورفض إسرائيل للسلام القائم على الشرعية الدولية وتمسكها باغتصاب القدس الشريف وفرض سيادتها العليا على الشعب الفلسطيني ؛ عمليات الإرهاب في العربية السعودية ؛ المذابح اليومية في العراق ، والحرب الأهلية العرقية والمذهبية المتوقعة فيه ، والتي وصلت إلى تدمير المساجد على المصلين ؛ التهديد المستمر ضد سورية والانقسام السياسي فيها ؛ الفوضى السياسية التنافسية في لبنان ؛ اضطراب الأمن والسلام الداخلي في اليمن ؛ عدم الاستقرار السياسي الديمقراطي في مصر ، ومحاولة تحجيم دورها العربي ؛ الضغط المستمر على الشعب الليبي داخليا وخارجيا ؛ الحرب الأهلية والحرب النفسية ضد السودان وقضية دارفور ؛ والضياع السياسي والفقر الرهيب في الصومال ؛ محاولات العمليات الإرهابية ضد الأردن ، والحرب النفسية ضده ومحاولات تحجيم دوره العربي في القضية الفلسطينية ؛ فقدان العلاقات الخليجية مع العراق ؛ كل ذلك والأمة العربية ساكنة ، ساكته ، لا تقوى حتى على الحركة الإعلامية أو السياسية ، أو حتى على الموقف الموحد والكلمة الواحدة لمعالجة هذا الحال العربي المهين لكرامة الأمة وشرفها ، والمعوق لكفاحها نحو مستقبل ولو أفضل قليلا.

كل عربي عاش عهد الكفاح من أجل الاستقلال والوحدة العربية ضد الإمبراطوريات العاتية ؛ لا يقدر إلا على المقارنة بين الأمس الأغر التليد العالي ، وبين ما وصلت إليه الأمة العربية اليوم من انقسام وتشعث ، وفقدان الإرادة الجماعية الواحدة ، وعدم التجاوب الحاسم مع ما يرتكب ضد الشعبين الفلسطيني والعراقي من عسف مخالف للمباديء الإنسانية ، والقانون الدولي ، وميثاق هيئة الأمم المتحدة ؛ لا يقدر إلا على السؤال الكبير .. لماذا ؟؟؟.

الذين يعتدون على العراق العربي ويغيرون بطائراتهم النفاثة على المؤسسات العراقية ويسيطروا على سمائها ويئدوا أطفال الشعب العراقي كل يوم حتى استشهد منهم مليونا ويزيدون يدعون أنهم يفعلون ذلك لكي لا تحصل العراق على القنبلة الذرية ، هم ، نعم هم الذين مكنوا إسرائيل من الحصول على ترسانتها من القنابل الذرية ولا يقولون ولو كلمة لإسرائيل ، بل يشاركوها في تمارين عسكرية ضد الأمة العربية ، وينطلقون بطائراتهم لتدمير وقتل حياة الشعب العراقي. فما الذي تقوله الأمة العربية .. مجرد القول وحسب. ؟؟؟

الذين فتكوا بالعراق عندما احتل الكويت بعد أيام قليلة ؛ ولا زالوا ساكتين ، ساكنين ، مهملين ، لاحتلال إسرائيل لكل فلسطين ، والاستبداد بالشعب الفلسطيني ، لمدة أربعة وثلاثين سنة لا يمكن أن يكنوا ولو ذرة صداقة نحو الأمة العربية ، بل هم الذين لا زالوا يتربصون بحياتها وحريتها ، ويحرموها من وحدتها ، ويضطهدون دينها وثقافتها ، ويحاولون إذلالها. وبالرغم من ذلك كله ، يحاول بعض العرب التقرب منها والتعايش معها ، وطلب رضاها السياسي والاقتصادي والمعنوي. لماذا ؟؟؟ هذا هو السؤال العربي الذي يجب أن توجهه الأمة إلى نفسها ، قبل أن تندثر.

ترى ألا تستحق الأمة العربية التي ننتمي إليها أن ينهض كل واحد من أبنائها ، وأن يسأل نفسه عن كل الأخطاء التي ارتكبناها ضد أنفسنا … انقلاباتنا العسكرية … وآخرها في مويتانيا ... ديكتاتورية العسكر … إحجامنا عن إشاعة الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان في ربوعنا … تفرقنا … عدم تضامننا … خلافاتنا القطرية … انعدام تعاوننا الاقتصادي ، تطرفنا الديني بدل أن نكون أمة وسطا كما أمرنا الله ، وفقداننا لرسالتنا كأمة عربية واحدة ذات أهداف نبيلة.

نحن ، كل واحد منا وقد بلغنا عدد 000 ، 721 ، 258 مايتين وثمانية وخمسين مليونا وسبعماية وواحد وعشرين عربيا ونزيد ، وحكوماتنا في واحد وعشرين دولة ، تهيمن على أهم أرض حيوية للعالم كله ، ولدينا موارد نفطية وغازية وخامية لا يستطيع العالم أن يستغني عن قطرة منها ... نحن المسؤولين عن الإجابة على هذه الأسئلة الرهيبة ، قبل أن نقع في الهاوية.. في الكارثة العظمى التي تنتظرنا دون أن ندري ؛ إذا لم نستيقظ ونندفع بكل قوانا المادية والمعنوية ، لإحياء أخوتنا العربية الإسلامية التي نكاد نفقدها قي وطننا العربي الكبير ... !

الأمل الوحيد العظيم برحمة الله تعالى لإنقاذنا مما نعاني … وهو وحده القادر على إلهام قادتنا لتحقيق أهدافنا التي برحنا الشوق إليها ، في مؤتمر القمة القادم ، ولهم منا أعظم الثقة بما يقولون ويقررون من أجل حياتنا ، مستقبلنا ، شرفنا ، وكرامتنا الإنسانية ، والله حسبنا ونعم الوكيل.