اختلافات المسلمين في المُلمات أمرٌ طبيعي، وظاهرة تاريخية متكررة يجب ألا "نزعل" منها. وما حدث إثر نشر جريدة دانمركية صوراً أساءت للرسول الكريم وللمسلمين عامة، كان له مؤيدون ومناهضون من حيث أسلوب ردة الفعل، لا الفعل ذاته. وهذا الاختلاف أيضاً له ما يبرره، ويجب ألا "نزعل" منه، بل يجب أن نتحاور حول ما حدث، ونسمح لجميع الأطياف الإسلامية بأن تعبّر عن رأيها، في حدود حرية التعبير، دون اللجوء إلى العنف الذي لا يمكن أن يحقق ما يمكن أن يُحققه الحوار. فنشر الصور أمر شائن وغير مقبول، وتصرّف غير حضاري -في بلاد تعتبر نفسها متحضرة- كما أن حرق السفارات وقتل الأبرياء كردة فعل، هو الآخر ليس سلوكاً حضارياً، وإنه أمر شائن لا يدخل ضمن تصرفات أهل الألفية الثالثة.

الإشكالية الجديدة هذه الأيام هي في الانقسام في دوائر الفكر الإسلامي، حول الوصول إلى الدول الغربية، والتعريف بالإسلام مباشرة، وبالنبي صلى الله عليه وسلم وخصاله الفاضلة. فلقد انبرى "فُسطاط" من المسلمين ليرفض فكرة أو مبادرة الداعية "عمرو خالد" الذهاب إلى الدانمرك لشرح حقيقة الإسلام وحياة الرسول وأخلاقه للدانمركيين مباشرة! ويرى بعض أهل هذا "الفسطاط" أن هذه الخطوة سوف "تخرّب" جهودهم في "تركيع" الحكومة الدانمركية والاعتذارات التي طالبوا بها. وأن هذه الخطوة سوف "تجهض" التجمع الإسلامي الكبير "الثائر" لنصرة الإسلام ورد المعتدين عليه. وأن عمرو خالد "أضعَفَ" جهود المسلمين بتحوله إلى "نجم" سياسي مُتخطياً دوره في الدعوة إلى الفعل السياسي الساعي إلى التغيير. كل ذلك لأن عالِماً أو عالِمين من علماء المسلمين اختلفا مع عمرو خالد! رغم كثرة من ناصره وآزر مبادرته. واعتبر أهل ذاك "الفسطاط" أن تلك المبادرة لا يستطيع شخص واحد القيام بها -وكأنهم يحرّمون أن يبادر شخص برأيه، ولابد للجماعة من الاتفاق على ذلك- معتبرين أن فتح هذا الملف يحتاج إلى فتح ملفات أخرى قانونية ودستورية وتاريخية!

السؤال هنا: أولاً: لماذا الاحتجاج على سفر داعية إلى الدانمرك -في عقر دار من أساء بعضهم إلى الإسلام- للتعريف بحقيقة المسلمين ورسولهم الكريم؟ المبادرة لا تمسّ أيّة "نجاحات" حققها أهل "الفسطاط الأول". ثانياً: أين هي المرجعية الإسلامية عند حدوث أزمات كبيرة هنا؟ عالِم أو عالِمان أم الأزهر؟ لقد أيّدت مبادرة عمرو خالد شخصيات إسلامية مؤثرة، ومنها من له مناصب إسلامية رسمية! ويقفز أهل هذا "الفسطاط" إلى النتائج، بأن ما سيقوم به عمرو خالد لن يعدو كونه "سامراً" ليومين، ثم ينفضّ!

لا أدري ماذا يريد أهل هذا "الفسطاط"، وكيف يرون الأمور! يعني هل يريدون أن يُسلِم أهلُ الدانمرك إثر محاضرة لزيد أو عبيد؟ إن هذا تفكير ناقص وغير ملائم لحقيقة التراكم الثقافي، ونحن نعلم ما بيننا وبين الغرب من اختلافات قيمية واجتماعية وعقائدية. ولماذا يعيب أهل هذا "الفسطاط" على عمرو خالد سعيه للتغيير! أليست كل حملات التنوير والخروج والبعثات الإسلامية كلها من أجل التغيير؟ أليست كل الفتوحات الإسلامية من أجل التغيير؟ فلماذا يعيب هؤلاء على عمرو خالد سعيه للتغيير، وهو لم يأتِ شيئاً "إِدّاً"؟

ولقد اعتذرت صحفٌ أساءت للنبي صلى الله عليه وسلم، وقام العالم بمؤسساته الدينية والسياسية ضد الصحيفة، وتحقق هدف المظاهرات والاحتجاجات، وهذا كله جميل.. ولكن هل "انفضّ السامر" هنا؟ وهل يجوز إغلاق الملف دون استثماره لفتح حوار مع الغرب؟ وهل نُبقي "حقداً" أو "ضغينة" ضد الغرب حتى "تفور" فورةٌ أخرى، إثر خطأ آخر ضد المسلمين؟ هل هذا هو الأسلوب الأمثل للتعامل مع الآخرين؟ أين البعثات الدينية التي كانت تذهب إلى أميركا وأوروبا؟ أين البعثات إلى الشيشان وغيرها كالدول المتفككة عن الاتحاد السوفييتي، لا نريد الدخول هنا فيما فعله بعض الدعاة ومن حولهم، من سلوكيات اجتماعية نخجل من ذكرها!

إن أوروبا وأميركا، بحاجة إلى سفر أكثر من عمرو خالد، وأسلوب عمرو خالد، بعيداً عن أساليب المتشنجين والرافضين للآخر! فكيف نريد أن يفهم الآخر حقيقة الإسلام ورموزه دون أن يكون هنالك حوار مباشر بيننا وبينهم؟

إن الأسلوب الإسلامي المُتّسم بـ"الوصاية" على الفكر والمبادرة هو سبب تخلّف هذه الأمة، كما أن الانغلاق الذي مُورس على الأمة الإسلامية بسبب تحالف القوى الإسلامية الضاغطة مع الأنظمة، بما فيها السلطوية، هو الذي أدى إلى انتشار قيم نبذ الآخر، واعتبار التلفزيون -الذي يستخدمه الدعاة اليوم لنشر الإسلام- من أعمال الشيطان. ولقد نسي بعض الدعاة -عندما كانوا في "قُوّتهم"- كيف جالوا العواصم والحواضر الأوروبية محاولين نشر الإسلام وتوضيح صورته السامية. فكيف يقوم نفس هؤلاء بمقاطعة أو استهجان ما قام به الداعية عمرو خالد؟ أليست تلك انتقائية في القرار أو التوجيه، ومحاولة التأثير على الجماعة أو الأمة الإسلامية دون وجه ديمقراطي أو "شوروي" كما يقر بذلك الإسلام؟

ثم ما الفائدة، بعد أن تمّ حرق السفارات والمكاتب والصراخ، أن نؤجج الصورة العدائية بيننا وبين الغرب؟ صحيح تم "انتصار" المسلمين في هذه "الغزوة"، كما حدث في 11 سبتمبر عندما وقعت "الغزوة" الأولى، ولكن القضايا العالقة بين المسلمين وأوروبا وأميركا لا تحلّها الغزوات والأجساد الانفجارية ولا خطف الطائرات، أو "الصراخ" على المنابر وفي الفضائيات! القضايا العالقة مع هؤلاء يحلّها حوار العقل، والمحاججة، والقرائن. وأول طريق نجاح ذلك الحوار هو الاعتراف بالآخر وعدم نبذه، وإن اختلف لون عينيه أو شعره! عن لون المسلمين!

لقد اتفق المسلمون على موقف واحد في رفض الصور المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم! فلماذا يختلفون على الحوار مع الآخر "المعتدي"، فقد يُغير رأيه أو يُعقِّل جهله.. وبالتالي تتحقق مكاسب كبيرة للمسلمين، بدلاً من انغلاقهم وصراخ البعض منهم في الفضائيات.

جميل أن يخرج ألف عمرو خالد، ويجولوا العواصم الأوروبية والأميركتين، لشرح سماحة الإسلام وسِير نبيه، وربط ذلك بلغة التسامح التي يشجع عليها الإسلام. "وجادلهم بالتي هي أحسن". ونأمل من أهل "الفسطاط" المعارض لخطوة عمرو خالد أن يجادلوا عمرو خالد بالتي هي أحسن، لا بالتشهير وعبارات الغيرة والامتعاض.

* ملاحظة: لا أعرف عمرو خالد شخصياً، ولم أحضر له أية محاضرة.