ما زال ملفّ المخطوفين في الحرب اللبنانية عصيّاً على الإقفال. يأخذ الملف استراحة من وقت إلى آخر. يبدو كأنّه قد دُفن تماماً، ثمّ يعود ليظهر مرّة أخرى في ألف مناسبة ومناسبة. حين تُكتشَف مقبرة جماعية، حين يصبح الخاطف نائباً، حين تعدَّل روايات الحرب خدمة للحظة سياسية، حين تعود ذكرى 13 نيسان كلّ عام... ندرك جميعاً أنّ ثمّة ماضياً يرفض أن يمضي. قد يكون لأهالي المخطوفين أسباب عدّة لإبقاء هذا الملف حاضراً، وقد يكون للجمهورية الثانية وأبطالها أسباب أخرى لطيّ الملف. لكنّ المرجّح أنّ الجمهورية الثانية وأبطالها لم يكونوا على قدر المسؤولية. المرجّح أيضاً أنّ الولع بالذاكرة والرغبة في المحاسبة ليسا ما أبقى الملف حياً.

<المخطوف> أصبح اليوم عنواناً لرفض بناء مستقبل يؤسَّس فيه للظلم وانعدام العدالة اللذين سبق لهما أن أوجدا أرضاً خصبة لحرب مضت. <المخطوف> أصبح عنواناً لرفض ما عرفته الجمهورية في ظلّ الحقبة السورية، ولرفض ما تعرفه الجمهورية ما بعد الحقبة السورية. هكذا يمكن لملصق يحمل صورة المناضل الشيوعي الذي خطف في مدينته صيدا في العام 1982 أن يحتلّ جدران منطقة <الجميزة> التي غدت عنوان الحياة الليلية. فهذا الملصق وقضيّته يعنيان أمراً ما للشبان الساهرين هناك. يعنيانهم كما تعنيهم ملصقات أخرى تعلن حضور <دي. جي> ذي شهرة عالمية إلى بيروت، وملصقات تعلن عن حفل موسيقي لفرقة شبابية جديدة. بدا ملصق <المخطوف> أليفاً بجانب الملصقات الأخرى. يعلن معها جميعاً ملامح رفض وبوادر نمط ثقافي مختلف.

هكذا يمكن أيضاً لمخرجة مسرحيّة شابّة أن تدعو أبناء جيلها لمشاهدة عرض تجرّعهم فيه <السم> بجرعات مخفّفة، وعلى دفعات عدّة، في مشاهد تظلّلها الحرب الأهلية وحكاية خطف. هناك، نتفرّج على موتنا، على حملنا الثقيل، وعلى صورتنا كجِيَف متحرّكة. فلا نحتاج إلى كثير من الوقت حتّى ندرك أنّ ذاك الكائن الموميائي ليس شبحاً للمخطوف الذي لم تتمكّن امرأته من نسيانه، إنّما هو صورتنا نحن حين نفقد رؤوسنا أحياناً، ثمّ أعضاءنا الأخرى، واحداً تلو الآخر، حتّى نفقد القدرة على الحركة، وتبتلعنا أرض المسرح.

لا يحتاج المرء إلى عرض سوسن بوخالد حتّى يدرك أنّ حرباً مرّت من هنا، بل ليتذكّر أنّ أحداً لا يريد أن يذكر أنّ حرباً مرّت من هنا، وأنّ العرض الذي يجري في مسرح على طرف المدينة يبدو كأنّ المدينة قد لفظته، وهو حتماً ليس في طور الاستعداد للدخول إليها. إنّه، في أحسن الأحوال، يقاوم خروجه النهائيّ منها. فالمدينة وقلبها يحتفلان بعروض أخرى، ما إن ينتهي أحدها حتى يأتي آخر. وهي عروض تتحدّث عن موت من نوع آخر، وتنطلق من خيبة أخرى. الموت الذي يأتي من تسطيح العلاقات الاجتماعية. ومن الضحك المتواصل لدى ذكر اسم العضو التناسلي. ومن إسقاط القوالب الجاهزة على مجتمعات برمّتها. ومن الفنّ المتعالي على مجتمعه.

لا نستطيع أن نغمض أعيننا عن حقيقة أنّ هذا النوع من المسرح يجري الآن في بيروت بعد عام من الأحداث السياسية الكبرى. هل هي الخيبة أم الحرية تلك التي تعيدنا إلى الحرب في عرض لا تنسينا جماليّته أنّه قد مرّ علينا في زمن سابق، وأنّ صوت أحد عمداء المسرح اللبناني الخارج من آلة التسجيل يحمل ما هو أكثر من مجرّد صوت مسجّل. هل هي الخيبة أم الحرية تلك التي تجعلنا نصفّق لموتنا بشكل متواصل، ولكَبْتنا بشكل متواصل؟

بيروت معلّقة بين مسرحين. بين <شي أندريه> الذي أعلن إقفاله نهائياً، وشارع <الجمّيزة> حيث مُزّقت ملصقات المناضل الذي خطف ذات ليلة من العام .1982 بيروت مسرح للموت... ذاك الموت الذي لا يأتي بالضرورة في سيّارة مفخّخة.