مرة أخرى يمكننا طرح السؤال: لماذا المعارضة السياسية تسبق التبدل الثقافي؟ لماذا لا تكون المعارضة الثقافية البنية الأساسية لأي معارضة اخرى؟

عندما ظهرت جمعيات حقوق الإنسان في سورية بدا وكأننا على أبواب حالة من التحول الثقافي، وذلك على أساس أن ثقافتنا منذ القرن الول الهجري لا يوجد فيها مصطلح حقوق الإنسان بل حقوق الله. لكنها هذه الحالة سرعان ما تبددت مع ارتباط مسألة حقوق الإنسان بالتكوين السياسي العام داخل سورية، وإذا كان هذا الأمر لا يعيب جمعيات حقوق الإنسان، لكنه حرمنا بالفعل من الدخول في وضعية حقوقية ربما تكون بداية لتكسير النظام الأبوي السائد في المجتمع.

مثال جمعيات حقوق الإنسان هو مجرد إظهار للفكرة، لكن الطموح بمعارضة ثقافية تدفعنا لتبديل التشكيل الذي يحكم حياتنا، فنصرخ: إذا بليتم بالتلوث فاستتروا، وذلك على غرار الحديث الشريف .. أليس التلوث إحدى المعاصي .. وهل نستطيع إعادة صياغة مفهوم "الحد" في الإسلام بشكل جديد. فنقطع يد الذي يهدر الماء، أو الذي يجلدنا يقلمه وصوته عن "فردوس التاريخ" بدلا من جنة الغد.

هل نستطيع عبر المعارضة الثقافية ممارسة النقد المبدع لمفهوم الإنتاج، فنريح مؤسسات الدولة من عبء العمالة الزائدة ... ربما تطرح المعارضة السياسية في العالم برامجها حول الإصلاح والتطور، وربما نحلم أيضا بطرح مفهومنا لحياة معاصرة مبنية على ثقافة تتحرر من انعزال الفرد داخل قيمه لنستطيع ان نصبح مجتمعا بالفعل والمعرفة ....