تزايد الشد و الجذب على الساحة الدولية بشأن الملف النووي الإيراني بعد أن أعلنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية استكمالها لدورة تخصيب اليورانيوم ودخولها نادي الدول النووية! فقد استطاعت طهران وبشكل مباغت الالتفاف على الضغوط الأميركية التي نجحت في وقت سابق بنقل الملف النووي الإيراني من وكالة الطاقة الذرية إلى مجلس الأمن الدولي والذي أمهل إيران فرصة أخيرة حتى نهاية الشهر الجاري لوقف تخصيب اليورانيوم! ولكن وبعد إعلان طهران عن نجاحها في التخصيب الكامل، فان المهلة تعتبر قد سقطت على ارض الواقع!

ولا نحتاج للتذكير بان الخطوة الإيرانية بتخصيب اليورانيوم لا تتعارض مع المواثيق والمعاهدات الدولية الخاصة بامتلاك الطاقة النووية، فإيران تعد عضوا في منظمة الحد من انتشار الأسلحة النووية والتي تسمح لأعضائها بتخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية كما جاء في المادة الرابعة من المعاهدة, إلا انه برغم امتلاك إيران للحجج القانونية والمشروعة كافة وانتهاجها لسياسة اللاعودة بشأن برنامجها النووي المخصص للأغراض السلمية وتحولها إلى دولة نووية، فان ذلك لم يمنع الولايات المتحدة من رفع وتيرة تهديداتها لإيران كما تفيد التقارير الإخبارية الواردة من واشنطن بان الإدارة الأميركية تبحث حاليا إمكانية توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية! وأبرز تلك التهديدات جاءت من الكاتب الأميركي المخضرم «سيمور هيرش» الذي كشف أسرار حرب فيتنام عام 1969 والذي فجر فضيحة سجن أبوغريب وكذلك حقيقة الوجود الإسرائيلي في منطقة كردستان بعد الاحتلال الأميركي للعراق, ففي مقالة له نشرتها مجلة «نيويوركر»، ذكر هيرش بأن «إدارة الرئيس جورج بوش تخطط لشن هجوم عسكري على نحوعشرة مواقع نووية في إيران، كما تنوي ضرب العشرات من القواعد الجوية والحيوية حتى تمنع إيران من الرد على الضربة الأميركية»! وبقطع النظر عن صحة هذا الخبر، فان السؤال الذي قد يتبادر إلى الذهن هو: هل تعد واشنطن فعلا لهجوم عسكري على إيران؟!

قد يكون الأمر صحيحا من الناحية النظرية، أما من الناحية العملية فيبقى هذا الخيار مستبعدا,,, على الأقل في الوقت الراهن! فقرار شن هجوم عسكري على إيران لن يكون بالقرار السهل كونه لن يؤدي إلى مواجهة محدودة تنتهي بمجرد تدمير المنشآت النووية والحيوية الإيرانية، وإنما سوف يؤدي الأمر إلى مواجهة دامية وأزمة مستفحلة في ضوء الاحتمالات المتوقعة والممكنة لرد الفعل الإيراني خصوصا إذا استخدمت طهران النفط كسلاح دفاعي! عندئذ ماذا سيحدث لسوق النفط والاقتصاد العالمي؟! فالمتوقع في حال تصاعد الأزمة مع إيران بان يتجاوز سعر برميل النفط حاجز الـ 120 دولاراً للبرميل الواحد، الأمر الذي سوف يهدد بتفجير أزمة نفطية كبرى! أما في حال إقدام طهران على إقفال مضيق «هرمز» الاستراتيجي فان ذلك لن يتسبب فقط بأزمة نفطية وإنما سيتسبب بكارثة اقتصادية عالمية كما أشار إلى ذلك «ريتشارد هاس»، رئيس مجلس العلاقات الخارجية في واشنطن ومدير إدارة التخطيط السابق في وزارة الخارجية الأميركية، بقوله «المشكلة أن التكاليف المحتملة لتنفيذ مثل هذا الهجوم تفوق بدرجة كبيرة المنافع المرجوة,,,إن تدمير قدرات إيران النووية سيتطلب استخدام عدد كبير من الطائرات وصواريخ كروز، ومن المؤكد أن ترد إيران على مثل هذا الهجوم,,,إن حدوث مثل هذا السيناريو سيؤدي إلى إشعال النفط والاقتصاد العالمي وقد يصل سعر برميل النفط إلى أكثر من مئة دولار، أوإذا اتخذت طهران خطوات لإعاقة تدفق صادرات النفط»! ولذلك فان المحللين السياسيين في الغرب يعتقدون بأن أي هجوم عسكري على إيران هومستبعد، وأن التقارير الإخبارية التي تنشرها الصحافة الأميركية هدفها الأساس إخافة طهران أوأن تكون إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش نفسها قد أوعزت بتسريب مثل هذه المعلومات من اجل تخويف الساسة الإيرانيين! أما بالنسبة للتقرير الذي أورده «سيمور هيرش»، فبإمكاننا اعتباره بمثابة «الطعم» لاستدراج الرئيس الأميركي جورج بوش إلى إعلان موقف صريح ورسمي تجاه التسريبات الإعلامية عن نية الإدارة الأميركية القيام بعمل عسكري ضد إيران, وبالفعل جاء الجواب من الرئيس الأميركي بعد نشر تقرير هيرش بان الإدارة الأميركية لن تستخدم القوة العسكرية لتدمير المنشآت النووية الإيرانية (لكنها ستلجأ إلى أساليب أخرى)!

يبقى هناك سؤال مهم قد أورده «سيمور هيرش» في مقاله وهو: هل تكمن مشكلة إيران بالنسبة لأميركا في برنامجها النووي أم أن المشكلة أكبر من مجرد امتلاك طهران للطاقة النووية؟ «هيرش» يجيب عن هذا التساؤل بعد أن أجرى سلسلة من اللقاءات والحوارات مع احد كبار الدبلوماسيين الغربيين في العاصمة النمسوية ومع احد المستشارين البارزين في البنتاغون ومع مجموعة من كبار الموظفين والمستشارين الحاليين والسابقين في إدارة بوش، فذكر الجميع بأن القضية اكبر بكثير من مجرد قضية برنامج نووي وأن أميركا تود أن تعود لتسيطر من جديد على «عقل وقلب» إيران من خلال تغيير نظامها الإسلامي! وهوما أشار إليه كذلك البروفيسور «دافيد منشاري» رئيس مركز الدراسات الإيرانية في جامعة تل أبيب بقوله «لا يوجد سبب في العالم لحرمان دولة مثل إيران من حقها من أن تكون مثل الهند وباكستان وإسرائيل,,,المشكلة تكمن في نوع النظام الحاكم في إيران!.

على أي حال، يبدوأن المجتمع الدولي بات أمام مفترق طرق في الأزمة النووية بين إيران والغرب في ظل إعلان طهران دخولها النادي النووي ونجاحها في تخصيب اليورانيوم! ولذلك فانه يتوجب على المجتمع الدولي وبالأخص الولايات المتحدة الأميركية أن تلجأ إلى الأساليب الديبلوماسية وأن تتوخى الحذر الشديد وهي تمضي قدما في هذه الأزمة وألا تجر المنطقة إلى حرب جديدة لأن سيناريوالحرب الجديدة سيجلب بلا شك أزمة كارثية سياسية واقتصادية وأمنية ذات نتائج خطيرة على مستقبل النظام العالمي,,, فالتاريخ لن يغفر أي «حماقة» جديدة ستتسبب بها واشنطن!